فى معرضها بقاعة "الباب" بمتحف لفن المصرى الحديث : الطاقة الكونية فى لوحات الفنانة زينب عبد العزيز

 

  • لوحة "سقوط شجرة".. أعادت طرح السؤال الفلسفى البلا إجابة
  • فى لوحاتها انتفخت رأس الطبيعة كبرياء
  • لوحات ثورة الطبيعة اراها بورتريه للانسان

 

كتبت/ فاطمة على

أرى أن لوحة هذا المعرض هى لوحة " سقوط شجره " .. بمجرد رؤيتى لها فى صالة العرض بقاعة الباب وجدت أنها مفتاح العرض بأكمله حتى من قبل أن أنهى جولتى .. فهذه الشجرة أبحث عنها ولم أرى إلا نادراً من رسم  شجرة هاوية على الأرض فى سياق مختلف وليس لمفهوم السقوط ذاته .. وهذه الشجرة الساقطة أرضاً إحتار فى شأنها أساقفه وفلاسفه وحتى علماء نظرية الكم الفيزيائية .. ولأكثر من مائة وأربعين عاما  والسؤال الفلسفى الفيزيقى مطروح دون إجابة نهائية له حول "إذا ما سقطت شجرة فى غابة ولم يكن هناك من يسمعها.. فهل يكون لسقوطها صوت..؟" وسأعود فى نهاية المقال نطرح تساؤلات من سبقونا حول "صوت سقوط الشجره " .

 

الطاقة الكونية فى لوحات الفنانة زينب عبد العزيز

انتفاخ رأس الطبيعه كبرياء

 أما لوحات المعرض الهام للفنانة الكبيرة الرائعة زينب عبد العزيز فلم أرى عرض بالكامل من قبل عن مظهر الطاقة الكونية من أعاصير وبرق ورعد وبراكين ونيران وكأن مجمل العرض يقدم لنا  تحدى جبروت الطبيعة وقد إنتفخ رأسها كبرياء فى مقابل ضآلة اللامرئى وهو الإنسان والذى تؤكد فلسفة "الطاو" الصينية عن تمام مطابقة الفرد مع النظام الكونى .. 

 

الفنانة زينب عبد العزيز فى لوحاتها لا تستعرض مشاهد وصفية لثورة الطبيعه بطاقتها على الأرض وساكنيها قدر ما تُقدم مفهوم درامي تعبيري للطرف الثانى من الشريك الكونى على الأرض رغم إختفائه من كل اللوحات .. وهو الإنسان الذى يتقاسم والطبيعة سمات الغضب العاصف.. وهذا الغضب العاصف  للطبيعة الكونية يتمثل بصرياً فى لوحات الفنانة فى مشاهد عنيفة الأداء حركياً مولداً طاقة تموج باللوحة بكاملها .. فى مشاهد لأمواج عاتيه تتصارع مندفعه فى دوامات تتناثر ما بين البحر والسماء ليبدو البحر وجهاً عنيفاً لطاقة ثوره ذاتيه التنامى..

 

فى معرضها بقاعة "الباب" بمتحف لفن المصرى الحديث : الطاقة الكونية فى لوحات الفنانة زينب عبد العزيز


وهناك فى لوحاتها أيضاً ألسنة نار ينشق عنها البحر والأرض متأججه لتعايش النقيضين الأبدى بينما يبدو الأفق فى تلك اللوحات عن بعد ككتله من سائل أزرق ساكن أقرب للمتفرج اللامبالى  لما يُشتعل الماء نيرانا ..

 

وفى لوحاتها عواصف  لكتل هوائية تحصدها الرياحوقد تمكنت الفنانه من قدرة رسم لون الهواء المُغبر مصارع ذاته مركزياً والذى لا ينمو بقدر ما يدور على نفسه محطماً فضاء  بدا هوائه منهوك القوى لكثرة ما سبقه من برق ورعد  ليُعاود التهاوى أرضاً .. وبألوانها زوابع وبرق مُضىء يومض باللوحات متمثلاً لجانب من صورة روح الكون الصاعق ..

 

فى معرضها بقاعة "الباب" بمتحف لفن المصرى الحديث : الطاقة الكونية فى لوحات الفنانة زينب عبد العزيز

وأيضاً هناك لوحات نباتات وغابات أشجار رغم كثافتها إلا انها مطوقه بعزلة بين الأرض والسماء .. أرى كل ما فى لوحات الفنانة الكبيرة من سمه لثورات كونيه جباره أراها تستحضر من خلالها لكثير مما يموج بداخلنا كبشر دون أن تقدمهم الفنانة صراحة ..

 

وداخل قاعة العرض بين لوحات الفنانة بأحجامها الكبير الذى تتناسب وعنف ما يحدث داخلها نستشعر تقلصات وتقلبات الكون تحيطنا تنتقل من لوحة لأخرى متمددة الى العمق.. وهو البعد الأصيل الأول حيث ينشط الوعى بينما يكون فى البعدين الآخرين من طول وعرض مستكينا خامدا .. وهل يمكن أن تصبح اللوحة جزءاً من عنفوان روح العالم  بذلك التدفق الهادر للطاقة من السماء للأرض وحولها منشطها من خمول وشاحن لطاقتها ..؟

 

فى معرضها بقاعة "الباب" بمتحف لفن المصرى الحديث : الطاقة الكونية فى لوحات الفنانة زينب عبد العزيز

 ورغم محاولة الإصغاء لعنف الدوي داخل لوحات الرائعه زينب لزمن حدثها المتفجر.. نراه يتلاشى لحظة ظهوره وفاتنا ان نسمعه حتى يبدو لى دفع الدوامات الخشن وأصوات تكسير الطبيعة لفضائها خارج وداخل اللوحات كمن يطلق النار على صوته.. ومن عنفوان اللحظة إختفى لحظة إنطلق الصوت ..

 

لغة الظواهرالكونية

أعتقد أنه بفعل الكتابة تنخفض حمى الإندفاع المتوهج داخل لوحات الرائعة زينب عبد العزيز .. وهى الفنانة التى قدمت محاولتها لإدراك مفردات لغة الطبيعة ومجازاً لغة الإنسان ..ورغم أن كل فنان ترجم الطبيعة بواسطة الخط  واللون .. لكن ندرك عند زينب عبد العزيز أنها خاضتى لوحاتها كالفيزيائى فى تشريح المظهر وفصمه إلى عناصره المبرره للتواجد والفعل .. فنجدها تقدم فى كل لوحة طاقتها المُحركة لها وهيئتها المتصادمه وقوة دفع عناصرها المائية أو البركانية أو الرعدية .. كأن لكل منها مفردة موجيه تتحرك خلالها .. فمثلاً فى لوحات الأعاصير نجد أن لغة الإعصار لولبيه متصله زاحفه حول نفسها فى دوائر متوالده .. ولغة الرياح هى ما ينتج عنها دفع الموج لأعلى وقد تشكل فى دفقات من الكتل ما تنمو إلى الذروة حتى تتلاشى .. وفى براكين نار المحيطات نجد مجازا لغتها قائمة على اللاشكلى المتحول الهيئة لحظياً ..ولغة البرق فى لوحاتها مركزية حادة مباشره من بؤره محدودة تندفع للخارج ..

أما أفق لوحاتها نراه يمتد عرضاً ممتصاً لما يحدث فى المقدمه لتذوب داخله الصوره داخل  فضاء لانهائى عمقاً اشبه بالاستواء ..

 

الشجرة التى هوت فى غابة ..

نعود للوحة "سقوط شجره " الفنانه زينب التى اثارت لدى تداعى فكرى لتساؤل قديم هو :" إذا سقطت شجرة في غابة ولم يكن هناك من يسمعها فهل يحدث لسقوطها صوت ..؟ " وهذا التساؤل هو رؤية فكرية فلسفية لحدود الملاحظة والإدراك .. وكهذا التساؤل الفلسفى كثيراً ما يُثير الفن بالتوازى تساؤلات عده تتعلق بما يُشغل العقول حتى ولو لم يقصدها الفنان بشكل مباشر .. وشجرة اللوحة للفنانه الرائعه زينب سقطت فى مكان خال من البشر بالقرب من شاطئ البحر كما نرى فى اللوحة .. ووفقًا لنظرية بيركلي ما قبل 1880 وهو أسقف وفيلسوف وكاتب : أجاب على هذا التساؤل عن سقوط شجره دونما وجود بشر بكلماتة "نعم ستصدر الشجرة صوتًا حتى لو لم يكن هناك أحد لسماعها لأن الله في كل مكان وسيسمعها" ..

 

 ويمتد تساؤل آخر حول إمكانية إستمرار الأشياء فى الوجود دون أن لم يتم إدراكها ..؟ وعكسياً قد سأل أينشتاين صديقه بايس :" هل تعتقد أن القمر موجود بالفعل لمجرد أنك نظرت اليه ..؟ وأجابه :" بالطبع لا.. ولا يمكن لأى فيزيائى من القرن الـ20  إجابه نهائية على هذا السؤال" .. وحتى يومنا هذا يمكن القول أن "الوجود" في غياب مراقب هو تخمين لا يمكن إثباته أو نفيه .. ولطالما جادل الفلاسفة في أن الصوت واللون والذوق والشم واللمس لا توجد إلا في أذهاننا وليس لدينا أساس للافتراض بأن هذه الحواس تعكس أو تمثل الواقع كما هو بالفعل .. وقد قال أينشتاين صراحة بـ "أن الواقع مجرد وهم " .. إذن فهناك فرق بين "الأشياء في ذاتها" و "الأشياء كما تظهر لنا" وندركها بحواسنا ..

 

فى معرضها بقاعة "الباب" بمتحف لفن المصرى الحديث : الطاقة الكونية فى لوحات الفنانة زينب عبد العزيز

 لذلك فإن سقطت شجره فى غابة ولا يوجد بشر.. أى لا توجد الأذن التى تسمعها فكأنها لم تحدث  فلا يكون معنى لوجود صوت .. مثل أمواج الراديو هناك ألاف أمواج وذبذبات لأصوات فى الفضاء تحيطنا وتتخللنا لا نلتقطها بحاسة السمع فهى غير موجوده ..وأطياف اللون المحجوبة عنا أكثر مما نراه فهى غير موجوده ..وحاسة اللمس تتيح لنا ما تحت أيدينا ولا تتيح الإحساس بإرتطام ملايين أوتومات الذرات بين أصابعنا ووجوهنا.. فالحيوانات لا ترى ألواننا كما هى .. وتسمع مالا نسمعه .. وتشم مالا نستطيع شمه .. فالحواس تعمل كفلترات تصفيه لتحجب عنا أكثر بكثير مما توصله إلينا ..

 

وفى مجال الفن وإدراك اللوحة ذكر "ازوالد شبنجلر" فى الجزء الثانى من "تدهور حضارة الغرب " ما يتسق وما سبق بقوله :"سيطوى الفناء آخر فاصلة موسيقية كتبها "موتسارت".. وسيطمس الزوال آخر صورة رسمها "رمبرانت" رغم عن أنهما قد يبقيان على صفحة من نوتة موسيقية أو على قطعة  قماشها ملون ..وذلك كله لان العدم يكون  آنذاك قد افترس آخر أذن تسمع هذا اللحن .. والفناء أتى على آخر عينين تتملى من تلك اللوحة" .

 

 وأرى هذين المثالين فى جانب أن "سقوط  شجره" دون وجود بشر أو وعى لا يُسمع لها صوت .. فالعدم يأتى مع إنعدام حواس التلقى كما فى القطعة الموسيقية واللوحة ..  ولذلك فإن لمتلقى العمل الفنى أهميه كبيره لم يتناولها النقاد كقيمة تأكيد وجودية العمل الفنى أياً كان ..

فى معرضها بقاعة "الباب" بمتحف لفن المصرى الحديث : الطاقة الكونية فى لوحات الفنانة زينب عبد العزيز
 


الكون بورتريه لصورة الإنسان

أما العمق المقابل فى معرض الفنانة زينب أراه فى قدر إثارة الفن للتساؤلات.. لأن كل زائر لمعرضها كتله متحركه  منفصله ومتصله بنظامها كونى مُحكم نحن جزء منه.. بل ومجازاً نحن محملين بجيناته بكل عواصفه وثوراته .. ومن دخل معرض الفنانة زينب قد يكون إلتقى وبورتريه خاص به يحمل سماته إن كان شخصية عاصفة أو بركانية أونارية أو مجموعة زوابع .. ويمكننى مجازاً ولآننا جزء من الكون ومحملين بظواهره فإن معرض الكبيره زينب عبد العزيزهو بورتريه كونى وبشرى خفى فى نفس الوقت .. وعلينا أن لا نتلقى لوحاتها كمظهر مباشر لظواهر كونية بل بما يحمل من كثير من الأبعاد الفكرية والتأملية .. خاصة والفنانه زينب التى ترجمت معانى كتاب الله القرآن الكريم إلى الفرنسيه بالكامل  أعطت عنوان لمعرضها لم يأت مصادفة وهو " من وحى القرآن " .. لنرى الكون بقوانينه التى فى كثير منها هى قوانين الكائن وجود البشرى داخل مدار واحد لطلاقة قدرة الله  فنحن نتحرك داخل متحرك .. ومن الجانب الفلسفى والجمالى نجد الفنانه من وحى القرآن الكرم ترصد لغة الكون البصرية تبدو فيها الأرض ضئيله ومستسلمه امام كلمة الكون المدويه التى لا تتجادل معها رؤى أوكلمات ..فقد رأينا لغة الكون .. ورآها من هم قبلنا .. وستستمر ليراها من هم بعدنا وإلى يوم الدين .. فلن يخرس الكون عن لغته وسطوته على الارض والإنسان معها ضمناً .. وستظل آيات الكون تتردد بصرياُ كما  وردت فى وصف دقيق لسلوكها فى كتاب الله الكريم لآياته : " فيرسل عليكم قاصفاً من الريح " .. "جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان " .. " فأصابها إعصار فيه نار فإحترقت"..  " والمرسلات عُرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا ".. " هو الذى يُريكم البرق خوفاً وطمعاً ويُنشئ السحاب الثقال ويُسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويُرسل الصواعق فيُصيب بها من يشاء وهم يُجادلون فى الله وهو شديد المحال " .. صدق الله العظيم

المصدر / جريدة القاهرة

22-6-2021



 

 

0/تعليق

أحدث أقدم