جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

شخصيات

غابرييل غارسيا ماركيز.. من "فوبيا الكتابة" إلى جائزة نوبل في الأدب!




غابرييل غارسيا ماركيز.. من فوبيا الكتابة إلى جائزة نوبل في الأدب!


غابرييل غارسيا ماركيز.. من فوبيا الكتابة إلى جائزة نوبل في الأدب!




·       الكاتب: كنا نعيش أنا وزوجتي "ميرسيدس" على الكفاف.. ونتقوّت بـ"العظام" لمدة 18 شهرا
·       زوجته تنتمي لعائلة عربية وجدها لبناني الأصل ينحدر من "آل فاخوري" وجدتها مصرية
·       ناضلت حتى أُكمل روايتي "مئة عام من العزلة" مثل جندي يحارب ولم يعد معه إلا آخر طلقة!
·       روايته الكبرى تُرجمت إلى 27 لغة وبِيع منها أكثر من 25 مليون نسخة في أنحاء العالم
·       "واشنطن بوست": مكتب التحقيقات الفيدرالي تجسس لنحو 25 عاما على ماركيز باعتباره "مخربا"
·       واصل الكتابة حتى بلوغه عامه الثمانين واستعان بالأدب كـ"تعويذة" تقيه شرور الحياة


لم يعرف تاريخ الأدب العالمي كاتبا أخلص للكتابة مثل ما فعل الأديب الكولومبي العالمي غابرييل غارسيا ماركيز، الذي استطاع أن يتغلب على "فوبيا الكتابة" حتى حاز جائزة "نوبل" في الأدب.

ولم يكن نجاح ماركيز بالأمر السهل، فقد عاش الرجل فترة طويلة من حياته فقيرا، وكان يتقوّت هو وزوجته "ميرسيدس" لمدة عام ونصف العام على "العظام" منزوعة اللحم، حتى تمكن من كتابة روايته الشهير "مئة عام من العزلة"، التي تُرجمت إلى 27 لغة وبِيع منها أكثر من 25 مليون نسخة في أنحاء العالم، والتي انتشلته من قاع الفقر إلى قمة الشهرة.

وُلد غابرييل خوسيه غارسيا ماركيز، الذي يُنطق اسمه بالإسبانية "ماركيث"، عام 1928 في بلدة الصغيرة "أراكاتاكا"، شمال كولومبيا، ونشأ برعاية أجداده، وعاش طفولة سعيدة، حيث تعلم من جدته الحكايات الشعبية والخرافية التي كنت متداولة وقتها، عن الأسلاف الموتى و"الأشباح الراقصة" بأسلوب تجريدي تبناه لاحقا في أعظم رواياته، فيما عُرف بعد ذلك باسم "الواقعية السحرية" كأسلوب أدبي جديد في الكتابة، تأثر به معظم أدباء العالم حتى هذه اللحظة.

الصبي العجوز
التحق "غابرييل" بمدرسة داخلية في بلدة "بارانكويلا" المجاورة لبلدته، واشتُهر بكونه صبيًا خجولاً يكتب قصائد ساخرة ويرسم رسوما هزلية، ولقب حينها بين زملائه بـ"الصبي العجوز" لكونه كان شخصًا جادًا وقليل الاهتمام بالأنشطة الرياضية. ودخل الجامعة حيث درس القانون حتى عام 1958.
بدأ ماركيز مسيرته بعد تخرجه ككاتب، فعمل في صحيفة "الإسبكتادور" الكولومبية، ثمّ عمل بعدها كمراسل أجنبي للصحيفة في روما وباريس وبرشلونة وكاراكاس ونيويورك، وكان أول عمل قصصي منشور له هو قصة بعنوان "بحار السفينة المحطمة" الذي نُشر في حلقات متسلسلة في الصحيفة نفسها عام 1955.

وتعرف الكاتب إلى فتاة تدعى ميرسيدس بارشا، التي تنتمي لعائلة عربية من جد لبناني الأصل ينحدر من "آل فاخوري"، وجدة مصرية، وكان "غابرييل" حينها لايزال طالبا، ثم تطور التعارف الى وعد بينهما على الزواج، وحين أنهى دراسته في عام 1958 تزوجا، وبعد عام واحد انجبا ابنهما الأول "رودريغو"، الذي أصبح فيما بعد مخرجًا سينمائيًا، وبعد ثلاث سنوات، انجبا الثاني "غونزالو"، وهو مصمم غرافيك مقيم حاليا في المكسيك. (1).

وبزغت شهرة ماركيز عندما نشر روايته الكبرى "مئة عام من العزلة"، التي ظل يعمل بها على مدار 18 شهرا قضاها في عزلة تامة، فلم يخرج من غرفة مكتبه على الإطلاق طوال عام ونصف العام، توقف خلالها عن عمله الصحافي، وهو يقول عن ذلك في مذكراته "كنا نعيش أنا وزوجتي مرسيدس على الكفاف، ولم يكن عندنا ما نأكله، وكانت هي تذهب إلى محل بيع اللحوم، وتشتري العظام منزوعة اللحم، وتطبخها في قدر كبير لكي نتقوّت بها، بينما أنا أناضل حتى أُكمل روايتي مثل جندي لم يعد معه إلا آخر طلقة"!

وفي 30 مايو من عام 1967، خرجت للنور الطبعة الأولى من الرواية في منافذ البيع بالعاصمة الأرجنتينية "بوينس آيرس"، وفي أسبوع واحد، بِيع من الرواية 8 آلاف نسخة، فبدأ نجاحه على نطاق أكبر، وكان يتم إصدار طبعة جديدة منها كل أسبوع، حتى وصل المبيع إلى نصف مليون نسخة خلال 3 سنوات في الدول الناطقة بالإسبانية.

وتُرجمت الرواية خلال 3 أعوام من صدورها إلى 27 لغة عالمية، وبِيع منها أكثر من 25 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم، وكانت بمثابة القنبلة التي أحدثت انفجارا في العالم منذ صدورها، وسرعان ما أصبح الرجل عراّبا لتيار "الواقعية السحرية" في أدب أمريكا اللاتينية والعالم كله.
وتتناول "مئة عام من العزلة" الأحداث في قرية خيالية تدعى "ماكوندو"، من خلال سيرة عائلة "بوينديا" التي أسسها خوسيه أركاديو بوينديا، وتحكي عن ستة أجيال من هذه العائلة الأسطورية، التي يطير بعض أفرادها في الجو، ويخوض البعض الآخر حروبا عبثية ضد الزمن.

فوبيا الكتابة
عانى الرجل أشد المعاناة من "فوبيا الكتابة" لفترة طويلة، أي الخوف المرضي منها، حيث قال في مذكراته المعنونة "عشت لأحكي": "كنت أرهب الصفحة البيضاء خلال وقت طويل، وكنت كلما أراها أتقيأ، لكن ذات يوم، قرأت أفضل ما يمكن أن يكتب حول هذا العرض المرضي، حيث قال الأديب الأمريكي أرنست هيمنغواي: (عليك أن تبدأ، عليك أن تكتب وتكتب، حتى يشعر الواحد منا فجأة أن الأشياء تخرج بمفردها، كأن شخصاً ما يمليها علينا، أو كأن أحداً آخر هو من يكتب)، وكان هيمنغواي محقاً في ذلك". (2)

وامتُدح أدب ماركيز لجودة وثراء لغته النثرية التي استخدمها للتعبير عن خياله الخصب، بينما رأى البعض أن أعماله بها مبالغة شديدة، وأنه يستخدم أسلوبا خرافيا للهرب من عدم الاستقرار السياسي في بلادهـ وقيل إن أسلوب ماركيز الأدبي المتفرد جاء نتيجة لمزيج من التخبط السياسي والترابط العائلي والالتزام الديني وتصديق الخرافات.
ويعد إنجاز ماركيز الأساسي في كونه أحيا سحر أمريكا اللاتينية وتناقضاتها المجنونة في أذهان الملايين، وأصبح رائداً لأسلوب أدبي يقوم على مزج عناصر خيالية في تصوير الحياة اليومية التي جعلت الاستثنائي يبدو روتينياً إلى حد ما. ويقول ماركيز إن هذا الأسلوب يجمع بين "الأسطورة والسحر وغيرها من الظواهر الخارقة للعادة".

وأدت شعبية كتاباته إلى تكوينه صداقات عدة مع الزعماء الأقوياء، ومنها الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو، والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. (3)
وفي مقابلة أُجريت معه عام 1982، قال ماركيز أن "صداقتي مع كاسترو تنصب بالأساس في مجال الأدب، والعلاقة بيننا ما هي إلا صداقة فكرية. ربما لم يكن معروفًا على نطاق واسع أن فيدل رجل مثقف. وعندما نكون معًا، نتحدث كثيرًا عن الأدب".

وإضافة إلى صداقته مع كاسترو، وشهرته الواسعة التي اكتسبها من مؤلفاته، فإن وجهة نظره تجاه "الإمبريالية الأمريكية" أدت إلى اعتباره "شخصًا مخربًا"، ولسنوات عدة رفضت واشنطن إعطاءه تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة من قبل سلطات الهجرة. وأقرت جهات رسمية أمريكية أن مكتب التحقيقات الفيدرالي تجسس لنحو 25 عاما على ماركيز. وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن القسم المتبقي من ملف التجسس على الكاتب يضم 133 صفحة لا تزال تحت تصنيف "سري للغاية". (4)

كما أصدر الكاتب عددا آخر من الروايات والمجموعات القصصية وكتب السيرة الذاتية منها "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" عام 1961، و|الجنرال في المتاهة"، و"خريف البطريرك" 1975، و"قصة موت معلن عنه" 1981، و"الحب في زمن الكوليرا" 1985 و"عن الحب وشياطين أخرى" 1994، وأخيرا روايته الصغيرة "ذكرى عاهرتي الحزينات" عام 2004.
ونال كاتبنا جائزة نوبل في الآداب عام 1982، من الأكاديمية السويدية عن رواياته وقصصه القصيرة، وكان خطاب قبوله للجائزة تحت عنوان "العزلة في أمريكا اللاتينية".

خطاب الوداع
تمكّن ماركيز من أن يفتن العالم بأعماله الأدبية، وكان يُبهر الناس في كل مرة يُقدم فيها روايات شديدة الواقعية، مع أنّها لا تخلو من سحر وأجواء غرائبية، حيث مزج بأسلوبه الخاص بين الحقيقي والفانتازي "الخيالي" كما لو أنّه يمزج بين أساطير جدّته وحكايات مجتمعه. عاش ليروي هموم البشر، فكان هو الكاتب الذي اجتمع عليه النقاّد والنخبويون والقرّاء العاديون.
واكتشف الكاتب عام 1999 إصابته بمرض السرطان، واجه الأمر بقوة وصلابة، كأنّه يملك الدواء الشافي من كلّ العلل، التزم منزله وباشر الكتابة، منع اتصاله بالعالم الخارجي وبكلّ ما يمكن أن يُبعده عن الورقة والقلم. ستّ ساعات متواصلة يكتب فيها كأنه يخضع لجلسات علاج كيمائية، تحسنت صحته خلال أشهر قليلة، وبعد نحو سنتين أصدر رائعته الذاتية "عشت لأحكي"، كأنه أراد بهذا العنوان أن يقول للعالم أنّ حياته ما كانت لتستمر لولا الكتابة.

وأكد ماركيز في مذكراته أن "أكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الإبداع، فأي سر هو هذا الذي يجعل الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوىً يمكن لكائن بشري أن يموت من أجله، أن يموت جوعًا، أو بردًا، أو من أي شيء آخر لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه، وهو شيء في نهاية المطاف، إذا ما أمعنّا النظر، لا ينفع في أي شيء؟ لقد اعتقدت يومًا أو توهمت أنني اعتقدتُ  بأنني سأكتشف فجأة سرّ الإبداع، اللحظة الحاسمة التي تنبثق فيها الفكرة. ولكن حدوث ذلك راح يبدو لي أصعب فأصعب". (5)

وفي أخريات حياته، انسحب ماركيز من الحياة الاجتماعية، لأسباب صحية، وكانت حالته في تدهور مستمر حتى وفاته.
وكان آخر ما كتبه هو "خطاب وداع" إلى أصدقائه، ينطق بالحكمة من إنسان وكاتب كبير، قال فيه" :لو وهبني الله حياة أطول لكان من المحتمل ألا أقول كل ما أفكر فيه، لكنني بالقطع كنت سأفكر في كل ما أقول، كنت سأقيّم الأشياء ليس وفقاً لقيمتها المادية، بل وفقاً لما تنطوي عليه من معان.
"كنت سأنام أقلّ، وأحلم أكثر في كل دقيقة نغمض فيها عيوننا نفقد 60 ثانية من النور، كنت سأسير بينما يتوقف الآخرون، أظل يقظاً بينما يخلد آخرون للنوم، كنت سأستمع بينما يتكلم الآخرون.
"لو أن الله أهداني بعض الوقت لأعيشه كنت سأرتدي البسيط من الثياب، وسأتمدد في الشمس تاركاً جسدي مكشوفاً بل وروحي أيضا، إذا كان مقدراً لي أن أعيش وقتاً أطول، لما تركت يوماً واحد يمر دون أن أقول للناس أنني أحبهم، أحبهم جميعاً، لما تركت رجلاً واحداً أو امرأة إلا وأقنعته أنه المفضل عندي.
"كنت سأثبت لكل البشر أنهم مخطئون لو ظنوا أنهم يتوقفون عن الحب عندما يتقدمون في السن، في حين أنهم في الحقيقة لا يتقدمون في السن إلا عندما يتوقفون عن الحب ".
ورحل "ماركيز" عن عالمنا في 18 أبريل عام 2014 بمدينة "مكسيكو سيتي" في المكسيك حيث كان يعيش أيامه الأخيرة، عن 87 عاماً، وأعلن الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس الحداد لمدة 3 أيام في البلاد حزنا على وفاة الروائي العالمي. وقد رثاه سانتوس عبر تغريدة على موقع "تويتر" قال فيها إن "العظماء لا يموتون أبدا".

المصدر:
(1)             موقع صحيفة "الحياة" اللندنية
(2)             موقع "تكوين" للكتابة
(3)             موقع "ويكيبيديا"
(4)             موقع "روسيا اليوم" باللغة العربية
(5)             ماركيز "ورشة سيناريو" ترجمة صالح علماني، منشورات "دار المدى"- بيروت الطبعة الثانية 2005.



الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *