محمد هشام عبية يكشف سر انتشار circle k (سيركل كي ستورز) في مصر

الانتشار المفاجئ والسريع لسلسلة كافيهات ومتاجر circle k الشهور الأخيرة في شوارع القاهرة وتحت كباريها المستحدثة، بل وداخل حديقة معلم تاريخي مثل قصر البارون (قبل أن يتم التراجع عن ذلك بضغوط جيران القصر المحبين)، وأيضاً في عدد من المحافظات، كان ولابد أن يستدعي السؤال المتشكك حول هوية أصحاب هذه العلامة التجارية، خاصة وأن انتشارها الكثيف بدأ أولا في محطات البنزين، وتحديدا في محطات chilout، وهي الاسم التجاري الثاني (بعد محطات وطنية) الذي يمتلكه جهاز الخدمة الوطنية التابع مباشرة للقوات المسلحة.


 circle-k


المعلومات المتاحة عن الشركة الأم circle k كثيرة، فهي- وفقا لموقعها الرسمي- اسم تجاري تأسس في ولاية تكساس الأمريكية، عام 1951، على يد "فريد هيرفي" الذى اشترى ثلاث محلات متجاورين وأطلق عليهم لأول مرة اسم علامته التجارية كمتجر بقالة كبير نسبيا، سرعان ماقدم القهوة الأمريكية لاحقا لزبائنه.

 

بعد نحو ربع قرن تحولت الفروع الثلاثة الأولى إلى أكثر من 1000 فرع في أنحاء أمريكا، في قصة نجاح متكررة ومؤسسة لملامح قرن ستغزو فيه العلامات التجارية الأمريكية، وبخاصة الاستهلاكي منها، العالم بأسره.

 

في عام 1979 تم افتتاح أول متجر يحمل اسم circle k خارج الولايات المتحدة، واللافت أنه كان في بلد لايمكن تخيل مطلقا أنه يستوعب- على الأقل في هذا الوقت- الثقافة والنمط الأمريكي.. اليابان.

 

في عام 1984، تجاوزت المبيعات مليار دولار، وبعدها بخمسة عشر عاما، أطلقت العلامة التجارية برنامجها العالمي لشراء حق الامتياز (الفرنشايز) في كل دول العالم، ويمثل عام 1995 نقطة تحول بارزة في مسيرة العلامة التجارية لأنها استحوذت على 76 متجرا لبيع منتجاتها في 76 محطة للوقود في ولايتي أريزونا ونيفادا، وهو ما شكل منهجا استثماريا لاحقا سهل لهم غزو مماثل في محطات وقود أخرى في جميع دول العالم. ثم تحولت ملكية circle k لشركة كندية ضخمة في عام 2004.

 

الظهور الأول لـcircle k  في المنطقة العربية كان -كما هو متوقع- في دبي عام 2011، لكن انتشار العلامة كان بطيئا بشكل ما، ثم كانت الطفرة في 2015، عندما أعلن وكيل العلامة في الشرق الأوسط التوسع في الخليج بافتتاح 55 فرعا جديدا نصفهم في الامارات وحدها. 


في نفس العام تحديد ظهر أول فروع circle k في مصر، وكان ذلك في شارع 9 الشهير بحي المعادي، الذي يمكن وصفه بأنه "معمل تجريب وتفريخ العلامات التجارية المستوردة في القاهرة".

 

المصادر المفتوحة المتاحة، لاتكشف بوضوح هل كان أول فرع مصري مرتبط الصلة بوكيل الشرق الأوسط أم أنها وكالة منفصلة، لكن المؤكد الآن، هو أن صاحب توكيل circle k في مصر- كما كشف عن ذلك مدير العمليات بالشركة في فيديو دعائي على فيسبوك- هو رجل الأعمال محمود منير سليمان، وهو عضو باتحاد الصناعات (غرفة الصناعات الكيماوية)، ونشاطه المالي الأساسي هو تأسيس مصنع للدهانات بالشراكة مع شركة إيطالية عام 1982. 


وظل هذا هو نشاطه الوحيد حتى عام 2015، عندما أسس شركة circle k – مصر، وتولت ابنته إدارة التسويق بها، مما يوحي- وهو توقع وليس معلومات- بأن استثمار سليمان في مجال آخر بعيد عن تخصصه، ربما جاء امتثالا لرغبة الأبناء في اقتحام سوق استهلاكي يبدو منفتح الشهية دائما.

 

انتشار circle k في مصر بدأ تدريجيا، وخلال ثلاث سنوات وصولا إلى نوفمبر 2018 (حيث شاركت الشركة في معرض الفرنشايز الدولي بالقاهرة)، وصل عدد الفروع إلى 28، بمتوسط افتتاح تسعة أفرع في السنة الواحدة، لكن الأمر تضاعف في سرعة لافتة في العامين التاليين، إذ افتتحت circle k فرعها رقم 72 بالإسماعيلية في نوفمبر 2020، أي أنها خلال 24 شهرا فقط، افتتحوا 44 فرعا، بمتوسط 22 فرعا في السنة الواحدة (مقارنة بتسعة أفرع في السنة الواحدة خلال أول ثلاث سنوات). 

وبلغ توسعهم حد أنهم في يوليو 2020 افتتحوا فرعين جديدين في يوم واحد (تيفولي ألكس- وطنية العلمين).

 

موقع circle k مصر الرسمي، لايوضح هيكيلة الشركة، وفي الصفحة التعريفية بالعلامة التجارية، يكتفي بالإشارة إلى جذور الشركة الأمريكية وأنها ثاني أكبر متجر صغير في العالم، وأن سياستهم تقوم على أن "تنتشر فروعنا في جميع أنحاء الطرق السريعة الرئيسية في مصر؛ وبالتالي، السيطرة على النقاط الأساسية"، وهي سياسية تسويقية تبدو ذكية ومؤثرة كما هو واضح، خاصة مع توسع شبكات الطرق، ومع تحول محطات البنزين إلى "مكان للقاء والتجمعات"، يجعلها أقرب إلى مول صغير.

 

وفقا لكل ما سبق، ولما هو متاح من معلومات، لاتوجد حتى الآن أي علاقة ظاهرة مباشرة بين circle k وأي جهات رسمية ما في الدولة. هي فقط شركة خاصة تزامن تطور نشاطها _ بشكل لافت ومثير للتساؤلات_مع تعدد "النقاط الأساسية للشراء"، التي أفرزتها سياسة التوسع في بناء الكباري والطرق ومحطات البنزين، ويبدو أنهم استطاعوا أن يحجزوا مكانا لعلامتهم التجارية مبكراً في أغلب المناطق المستحدثة والمحتمل أن تستوعب أنشطة استهلاكية.

 

 ربما الانتشار المتزايد والمتلاصق والمتلاحق للعلامة في محيط منطقة ذات خصوصية معمارية مثل مصر الجديدة، كان سببا للتذمر والحنق والاسئلة "التي هي من حق الجميع بالمناسبة"، خاصة مع مخاوف مشروعة من تغيير الوجه التراثي للمنطقة، والقلق من تحول شوارعها إلى "نقاط شراء أساسية"، أكثر من كونها براح متسع كما كانت في السابق.

 

هل يبدو الأمر عادياً فعلاً؟

في الأغلب نعم، لكن الموقع الرسمي لـ  circle kالعالمية، يشير إلى معلومة لافتة، وهي أن علامتهم التجارية قد استحوذت عام 2009، على العلامة التجارية المنافسة on the run، التي تقوم فلسفتها التجارية أيضا على تقديم القهوة ووجبات الافطار والأطعمة سابقة التجهيز في محطات البنزين، ومنذ هذا التاريخ تغير اسم أغلب المتاجر التي تحمل اسم on the run، إلى circle k في جميع أنحاء العالم.

 

خمن، في أي الدول، لاتزال علامة on the run تعمل بنفس الاسم؟

 

 نعم بالفعل، في مصر، حيث ظهرت هذه العلامة التجارية باعتبارها تحولا جذريا في خدمات البقالة والأطعمة والمشروبات السريعة التي تقدم في محطات البنزين، لأول مرة في السنوات الأولى للألفية الثالثة، أي أنها تقترب من نحو 20 سنة متواجدة في الأسواق، لكن انتشارها اقتصر فقط على القاهرة والإسكندرية، ولم تزد فروعها طوال هذه السنين عن 25 فرعا فحسب.

 

من يملك on the run التي كانت بفضل ابتكاريتها أقرب إلى محتكرة "نقاط التسويق الأساسية" في محطات الوقود الرئيسية خلال هذه السنوات؟ إنه رجل الأعمال الشهير صلاح دياب، الذي جرى احتجازه وسجنه مرتين على الأقل في السنوات الست الماضية لقضايا تتعلق -وفقا للأوراق الرسمية- بتهرب ضريبي وحيازة سلاح دون ترخيص، بينما يسري الهمس بأن الأمر قد يكون له علاقة بملكيته لصحيفة المصري اليوم التي كانت تشاغب بقدر ما، في السنوات التالية لثلاثين يونيو 2013، قبل أن ينخفض صوتها تدريجيا كسائر الصحف ووسائل الإعلام الخاصة.

 

هل كل هذا صدفة "فرنشايزية" فعلا؟

 في الأغلب نعم، أو هذا ما يبدو على السطح، خاصة وأن فروع  circle k في خمس سنوات تمثل ثلاثة أضعاف فروع on the run في نحو ٢٠ سنة، الأمر الذي يعني أن on the run لم يكن معنيا بالمنافسة وإلا انتشرت فروعه أكثر مما هو موجودة، حتى لو كان في نطاق القاهرة والإسكندرية، مما يوحي أن on the run مكتفي بما يمكن وصفه بالريادة، بينما circle k عينه على الانتشار طولا وعرضا، شمالا وجنوبا، في محطات الوقود، وأسفل الكباري، وداخل الكومباوندات. بل وفي حدائق القصور الكلاسيكية إن سمح التاريخ وتسامحت الجغرافيا.

 

في كل الأحوال هناك تحدي أكبر من كل ذلك يواجه circle k، وهو أن تخفض قليلا من حصة اللبن في كوب الكابتشينو، وأن تزيد أكثر من حصة القهوة.

 

 

1/Post a Comment/Comments

إرسال تعليق

أحدث أقدم