رمضان والبناء النفسي للطفل

 

شهر رمضان شهر مبارك فيه أنزل القرآن "شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" فيه تفتح أبواب الجنات وتغلق أبواب النيران ويصفد فيه الشيطان وهو فرصة عظيمة لتنقية القلوب وتصفية النفوس وتصحيح العادات والإخلاص فى العبادات.

 

رمضان والبناء النفسي للطفل

فيه نعبد الله كما أمرنا ونجعل من القرآن الكريم جليسنا ونروض على فعل الخير نفوسنا ويسود الإيمان بيوتنا ويتأثر بهذا الإيمان أطفالنا فنجدهم يميلون إلى تقليدنا فى العادات والعبادات فيرغبون فى الصيام ويحرصون على الاستيقاظ للسحور ويحاولون تلاوة القرآن وعند الإفطار يحركون ألسنتهم بالدعاء كما يفعل الكبار.

 

والأم الصالحة هى التى تحسن إستغلال هذه الرغبة عند أطفالها وتجعل من شهر رمضان فرصة لغرس قيم ومبادئ الإسلام فى نفوسهم ومن هذه القيم.

 

ربط قلب الطفل بخالقه:

إن شهر رمضان المبارك وما يسوده من جو روحاني عبادي يجعل الطفل مستعداً لتقبل كل ما يرقق قلبه وتسمو به نفسه ويربطه بربه سبحانه وتعالى ويكون ذلك عن طريق.

 

قراءة القرآن: على الأم أن تحدد لصغارها ورداً يوحيا من القرآن تشرف على أدائهم له بنفسها وحبذا لو تم ذلك من خلال حلقة يجتمع فيها أفراد الأسرة جميعاً ليشيع فى الأسرة الجو الإيماني وتحفهم الملائكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده".

 

وعلى الأمور التى تشجع الأطفال على تلاوة القرآن معرفة فضل هذه التلاوة وثوابها العظيم فعن إبن مسعود –رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول "الم" حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف رواه الترمذى.

 

كذلك يمكن إجراء مسابقة للأطفال بتسجيل ما حفظوه من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة خلال شهر رمضان وتقديم مكافأة لمن حفظ أكبر قدر ممكن.

 

الدعاء: من الأمور التى تربط قلب الطفل بربه سبحانه وتعالى كثرة الدعاء ويقين الطفل أن الله هو مجيب الدعاء وعلى الأم أن تعرف أبناءها فضل الدعاء.. عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه" رواه الترمذى.. والدعاء فى رمضان له ميزة خاصة وهو مستحب عند الإفطار وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد" وقوله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم منهم الصائم حتى يفطر وعلى الأم أن تعلم طفلها أن يدعو عند الإفطار بأحب الأشياء إليه وأن يتأكد من أن الله تعالى سيستجيب لهذا الدعاء قال تعالى:

 

"وقال ربكم أدعونى أستجيب لكم" أما عن كيفية إجابة الدعاء فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل يدعو بدعاء إلا أستجيب له فإما أن يعجل له فى الدنيا، وإما أن يؤخر له فى الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل يقول: دعوت ربى فما استجاب لى" رواه الترمذى عن أبى هريرة رضى الله عنه.

 

ذكر الله: شهر رمضان شهر الذكر وعلى الأم أن تحبب طفلها فى ذكر الله سبحانه وتعالى وتذكر له فوائده فهو يطرد الشيطان ويرضى الرحمن ويقوى البدن ويحيى القلب وتقول لطفلها مثلا: من قال سبحانه الله وبحمده غرست له نخلة فى الجنة فمن يحب أن يكثر من نخلاته وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم "أى الجهاد أعظم أجراً؟ قال: أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً؟ قال: فأى الصائمين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكر.." رواه أحمد.

 

الصبر وقوة الإرادة:

وهذه الصفة يتم غرسها فى نفس الطفل عن طريق تشجيعه على الصيام وتحتفى الأم بالصائمين وعليها أن تعلن جوائز للصائمين الجدد وعلى الأم أن تذكر أبناءها بالثواب العظيم الذى جعله الله تعالى للصائمين حيث يقول تعالى والحديث القدسى: "كل عمل إبن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به". ومن الممكن أن يكون الصيام تدريجياً حسب عمر الطفل.

 

وإذا نظرنا إلى ما فعله السلف نجد أن منهم من صوم أطفاله فعن الربيعة بنت معوذ –رضى الله عنها- قالت عن صوم عاشوراء: "كنا نصومه ونصوم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن –أى الصوف- فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار". رواه البخارى.

 

ولا شك أن الصوم يقوى إرادة الصبي ويمنحه الصبر وقوة التحمل وقال العلماء عن صيام الصبي: هو ليس بواجب ولكن ليتمرن عليه الطفل وقاسوه على الصلاة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين وأضربوهم عليهم وهم أنباء عشر سنين وفرقوا بينهم فى المضاجع" رواه أبو داود.

 

ولا يجوز ضرب الطفل على الصيام قياساً بالصلاة لما فى الصوم من مشقة بخلاف الصلاة كما أن الصبى مرفوع عنه القلم.

وعلى الأم أن تهتم بوجبتى الإفطار والسحور بحيث تكون مشتملة على كل العناصر الغذائية وخاصة الفيتامينات المتمثلة فى طبق السلطة والفواكه لأن ذلك يقوى صحة الأطفال ويعينهم على مواصلة الصوم.

 

تدعيم الثقافة الدينية للطفل:

فى رمضان يكون الوقت مهيأ لتدعيم ثقافة الأولاد حول دينهم ولذلك على الأم الصالحة أن تصوغ المعلومات بحيث يستطيع الطفل أن يستوعبها ولا مانع من الاستعانة فى ذلك باسطوانات الحاسوب أو الشرائط الإسلامية المشوقة وكلها متوافرة فى المكتبات الإسلامية.

 

كذلك يمكن تدعيم ثقافة الطفل عن طريق إجراء المسابقات فى المعلومات الدينية ولكي تعم الفائدة يعطى الأطفال الكبار كتيبات يقرؤونها ثم يسألون عن مضمونها.

 

تقوية الروابط الاجتماعية:

شهر رمضان فرصة عظيمة لتقوية الروابط الاجتماعية وغرسها فى نفوس الصغار ويكون ذلك بالحرص على صلة الرحم وعقد اجتماعات أسبوعية مع الأقارب لتنمو فى نفسية الولد ترعة التطلع إلى الآخرين وتتأصل فى ذاتيته حب كل من تربطه بهم رابطة نسب حتى إذا ما كبر ونضج قام بواجب الإحسان والعطف عليهم فأحترم كبيرهم ورحم صغيرهم.

 

وقد أمرنا الله تعالى فى كتابه العزيز بصلة الرحم والإحسان إلى ذى القربة قال تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً" النساء 1.


كذلك يجب تذكير الطفل بحقوق الجيران وأنها من أصول الإيمان حيث قال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم جاره" رواه الشيخان.

 

ولا يكفى المرء فى حسن الجوار أن يكف أذاه عن الجار أو يدفع عنه بيده بل يدخل فى حسن الجوار أن يجامله بالتعزية عند المصيبة والتهنئة عن الفرح وعيادته عند المرض وبدئه بالسلام وإرشاده إلى ما ينفعه بعلمه ونصحه فى أمر دينه ودنياه ومما يقوى الروابط بين الجيران فى رمضان إعطائهم بعض أطباق من أصناف الطعام التى تعد للإفطار أو السحور على أن يذهب الطفل بنفسه لتوصيلها لهم.

 

حسن استغلال الوقت:

على الأم أن تنظم وقت أطفالها فى النوم ولا تترك الأمر يخرج من يدها بل تضع لهم جدولاً لساعات النوم واليقظة وتحدد الأوقات الخاصة بالمذاكرة وأوقات الذكر وتلاوة القرآن حتى لا يسرف الأولاد فى السهر وتضيع عليهم الفائدة الدينية من حسن استغلال رمضان والفائدة الدنيوية باعتلال صحتهم نتيجة السهر.

 

وعلى الأم المسلمة أن تحذر من تأثير التلفاز على أطفالها وأخلاقهم فى رمضان وعليها أن تراقب ما يشاهدون ولا تدعهم يرون المناظر الخليعة أو يسمعون الأغاني والموسيقى فهذا مما حرمه الله تعالى قال تعالى: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئوولاً" فلا تسمح لهم إلا بمشاهدة البرامج الدينية وبرامج الأطفال الخالية من الابتذال.

 

وختاماً نقول أن شهر رمضان فرصة عظيمة لعودة الأجواء الإيمانية إلى الأسرة المسلمة كباراً وصغاراً.. والأم الصالحة هى التى تستغل هذا الجو الرمضاني الروحاني لإحياء قلوب أسرتها وربطها بخالقها سبحانه وتعالى والله نسأل أن يتقبل منا جميعاً صيامنا وقيامنا وأن يجعل من أطفالنا قرة عين لنا إنه سميع قريبا مجيب الدعاء.

0/تعليق

أحدث أقدم