جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

منوعات

د. هانى محمود يكتب: مزاعم الفطر من كورونا، والفتوى السائلة

د. هانى محمود يكتب مزاعم الفطر من كورونا، والفتوى السائلة



د. هانى محمود يكتب مزاعم الفطر من كورونا، والفتوى السائلة


د. هانى محمود يكتب مزاعم الفطر من كورونا، والفتوى السائلة
بقلم: د. هانى محمود
مدرس الشريعة بحقوق عين شمس





بعد صدمة إغلاق المساجد، يصر البعض على استفزاز مشاعر المسلمين بصدمة أخرى، من خلال خطاب إفتائي (مفرط في الترخيص) غير مقبول في الوقت الحالي الذي يَتهم فيه البعضُ الفقهاء بالتساهل في إقرار غلق بيوت الله.

وذلك أنه قد برزت مؤخرا فتاوى متسرعة تأمر عموم المسلمين بالإفطار في رمضان القادم متى قال الأطباء: "إن مقاومة الفيروس تقتضي ترطيب الحلق باستمرار"

ومن العجيب أن يزج بالأطباء في الأمر مع أنا لم نسمع توصية طبية صادرة من جهات محترمة توصي المسلمين بالإفطار في رمضان، أو تعتبر أن الصيام يزيد من خطر الإصابة بالمرض!

بل على العكس نفى موقع منظمة الصحة العالمية –المكتب الإقليمي للشرق الأوسط- وجود أي دليل علمي على أن شرب الماء أو التغرغر بمحلول الملح ونحوه يقي من الإصابة بالفيروس، ومن ثم لا يكون لهذه الفتاوى أي سند من دين أو علم!

كما أنه لا يليق بالمفتي أن يجعل فرائض الله مرهونة بأمور محتملة يمكن التثبت من صحتها ومدى الاحتياج إليها بكل سهولة، ولو كلف هؤلاء أنفسهم مراجعة مواقع طبية موثوقة يسهل الوصول إليها لعلموا أن الحاجة لا تدعو إلى هذه الأمور، ولما تورطوا في خطيئة رهن فرائض الله بأمور موهومة على نحو قد يخفض من مهابتها في نفوس المؤمنين، أو يفقد بعض الناس الثقة في بعض المتصدرين للفتوى دون تحقق بآدابها.

وعلى فرض أن ترطيب الحلق يفيد في الوقاية، فيمكن أن يقتصر على الغرغرة متى ثبت أنها تفيد في الوقاية أو العلاج، والغرغرة ممكنة مع الصيام؛ لأنها دائرة بين الكراهة والإباحة في حق الصائم مع التحرز من دخولها إلى الجوف، والكراهة تزول بالحاجة، ومن ثم لا يكون الاحتياج إلى الغرغرة للوقاية من المرض –على فرض ثبوت فائدتها- داعيا إلى رخصة بالفطر أصلا.

كما أن هذه الفتاوى غير مريحة بالنظر للسياق الذي تطلق فيه، وهي أيضا غير صحيحة؛ لأن القاعدة الشرعية تنص على أن الأحكام تبنى على الغالب لا على القليل النادر، واحتمال إصابة الفرد بالمرض لم يصل إلى الحد الذي يجعله أرجح من احتمال الخلو من المرض، ومن ثم فلا وجه لتنزيل الخائف من المرض –ولو بنسبة مرجوحة- منزلة المريض بالفعل الذي يباح له الفطر

ثم إن هذه الفتاوى عاملت الجميع معاملة واحدة دون أن تفرق بين أحوال الناس من حيث درجة التعرض للإصابة، ومن حيث مدى القدرة على تحمل المرض، ومن حيث درجة احتمال الوفاة، وهذا التعميم غير محمود في قواعد الشريعة، وقد وجدنا في مسالك القرآن والسنة مراعاة لاختلاف أحوال الناس قوة وضعفا، كما في آيات الصيام في سورة البقرة، وكما في فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم التي كان فيها الجواب يختلف باختلاف حال السائل في القضايا التي تحتمل التفاوت بين الناس.

أضف إلى ذلك أن النسب الرسمية المعلن عنها تفيد أن أغلب الناس لم يصابوا بالمرض، وأن أغلب المصابين يتعافون من المرض، واحتمال الوفاة وإن كان يزيد في شريحة كبار السن إلا أنه ليس هو الغالب أيضا.

فهل هذه النسب تكفي لإصدار فتوى عامة في الترخيص بالفطر تعليقا على احتمالات نادرة موهومة؟

أضف إلى هذا: أن المسلم الحريص على الصوم –إذا بلغ خوفه حد التوجس- يمكنه أن يجري الفحص الذي يتأكد به من خلوه من المرض، فلا يحتاج إلى التفكير في أن يفطر خشية أن يكون الفيروس قد تسلل إلى جوفه وصار بحاجة إلى ترطيب الحلق، خاصة مع ما تقدم من جواز الغرغرة متى احتاج الصائم إليها

أضف إلى هذا أن الزمن الباقي على رمضان قد تعتدل فيه الأحوال ولا نكون بحاجة إلى إثارة القضية أصلا على نحو متكلَّف قد يؤدي إلى النيل من مهابة شعائر الله في نفوس المسلمين، ومن ثم لا يكون من الحكمة إثارة المسألة على نحو يهون قد يهون من شعائر الله في نفوس الناس من غير أن نصل إلى حالة الضرورة التي تستدعي التوسع في الرخص.

وكان الأولى بمن يطلق هذه الفتاوى -إذا رأى أن المسألة بلغت حد الجدية الذي يدعو للتفكير في الرخصة- أن يدعو إلى اجتهاد جماعي يدور فيه نقاش مستوعب بين الهيئة الفقهية وبين الجهات الصحية المرموقة؛ لاستطلاع مدى الاحتياج إلى رخصة الفطر ، ومن هي الشرائح التي تحتاج إليها؟

دون أن يعني هذا أن الفقيه لا يكون له دور متى تكلم الطبيب كما يقول البعض؛ لأن توصيات الأطباء عادة ما تأخذ بأقصى ما يمكن من الاحتياط، كما يكون في تعداد الأعراض الجانبية التي تكتب في نشرة الدواء؛ حيث تكتب كل الأعراض المحتملة ولو بنسب قليلة؛ مبالغة في الاحتياط وإعفاء الشركة من المسؤولية، ولا يعني هذا ان المريض يصاب بهذه الأعراض، وكثيرا ما أخذنا الدواء متوجسين بعد قراءة النشرة الدوائية، ثم لم نشعر بشيء من الأعراض.

والفقيه لا يلزمه أن يبني على هذا القدر من مراعاة الاحتمالات النادرة التي يخشاها الأطباء؛ لأن للقواعد الشرعية تقديرا في مراعاة الاحتمالات والنسب التي يجب البناء عليها في الاجتهاد والفتوى، وكثيرا ما توقع الأطباء وفاة أعداد هائلة من البشر وكان الأمر في الواقع أقل بكثير مما توقعوه، كما جرى في وباء إنفلونزا الخنازير؛ حيث كانت أعداد الإصابات والوفيات أقل بكثير من التوقعات الطبية التي صدرت في تصريحات رسمية.

وقد اقترح البعض – زمان انتشار إنفلونزا الخنازير- تعطيل فريضة الحج، ولكن الجهات المعنية رفضت هذا المقترح؛ إذ رأت أن الخطورة ودرجة الانتشار لم تصل إلى الحد الذي يستدعي مثل هذا القرار.

ومن ثم تبقى للفقيه نظرته وتقديره وموازنته بين رؤية الأطباء في المبالغة في الاحتياط وبين الواقع وما فيه من نسب ومنحنى لانتشار الوباء وبين قواعد الشريعة في الموازنات، خاصة وأن نظر الطبيب منحصر في تقدير ما يلزم لتحقيق مقصد حفظ النفوس، وقاصر عن النظر في مقاصد أخرى ضرورية في المجتمع الإسلامي كتعظيم شعائر الله، والحفاظ على مهابتها في النفوس؛ تلبية لمقصد حفظ الدين.

وهذا أمر مهم في الموازنة لا ينتبه له كثير من الفقهاء؛ إذ يظنون أن كل ما يقوله الطبيب ملزم للفقيه وعموم الناس، بحيث لا يملك الفقيه إلا أن يستسلم لكلمة الطبيب في كل الأحوال، ملغيا عقله، ومحيِّدا علمه، مع أن الأطباء يختلفون في التقدير كما يختلف غيرهم، وليس كل الأطباء على رأي واحد في التدابير الواجبة للوقاية، ولا في تقييم إجراءات الدول في مكافحة الوباء.

كما أنه لا صحة لما جاء في بعض الفتاوى: أن كلام الأطباء يكون ملزما بالإفطار، لأن الإلزام في مثل هذه الحالات لا يكون إلا إذا غلب على الظن الهلاك بسبب الصيام، وهو ما لا يتحقق فيما نحن فيه؛ لأن المسألة دائرة على احتمالات لا تصل إلى حد غلبة الظن بالهلاك.
ومن العجيب أن يتألى بعضهم على الله تعالى فيزعم أن من أفطر -رغم توصية الأطباء بترطيب الحلق- يكون كالمنتحر، وينال العقاب بدل ثواب الصيام!
وبالطبع لا يعني هذا أنا نقلل من شأن الوباء أو ندعو للتهاون في مواجهته، ولكنا أمام موازنات دقيقة تستدعي ملاحظة السياق على اختلاف تفاصيله.

ولا يقال: إن "درء المفاسد أولى من جلب المصالح".
لأن درء المفاسد تكون له الأولوية إن كانت المفسدة متحققة أو مظنونة (ظنا غالبا)، ووفقا للنسب اليومية التي يعلن عنها فإن مفسدة الوفاة أو الإصابة بالمرض لم تصل إلى حد المفسدة المتوقعة أو المظنونة ظنا راجحا حتى يستند إليها في إباحة ترك الفريضة

وقد حذر إمام الحرمين الجويني من وضع الظن موضع القطع، وكذلك ينبغي الحذر هنا من وضع الموهوم موضع المظنون، ونحن هنا نرى أصحاب هذه الفتاوى يضعون الموهوم موضع المقطوع به فيجيزون ترك الفريضة بناء على الموهوم؛ لأن عبارة "الوقاية تقتضي ترطيب الحلق" لا تفيد أكثر من أن الإصابة بالمرض حال عدم ترطيب الحلق= أمر موهوم؛ بمعنى أن الإصابة بالمرض حينئذ احتمال قائم لكنه لا يصل إلى حد القطع أو غلبة الظن.

أضف إلى هذا ما تقدم من أن ترطيب الحلق يمكن أن يتحقق بالغرغرة التي لا تفسد الصيام.

ثم إن شيوع الترك للفرائض -بناء على احتمالات نادرة، أو احتياجات مشكوك فيها- لا يخلو عن مفاسد؛ مثل: تهوين مهابة الشعائر في نفوس، كما بينا، فلا يسلم حينئذ بأن التعارض بين مصالح ومفاسد، بل هو تعارض بين مفاسد ومفاسد.
ثم إن هذه الفتاوى لم تراعِ أن بعض الناس يقدرون على الحجر طول شهر رمضان أو أغلبه، ولم تراعِ هذه الفتاوى احتمالية أن يكون الشخص قادرا على البقاء في البيت طيلة شهر رمضان دون مخالطة للعالم الخارجي، فمن كان هذا حاله: فأي ضرورة تدعوه إلى الفطر؟!

وليس هذا هو مجال الفقه الافتراضي، بأن نفترض قضايا غير مطروحة ونثيرها للنقاش؛ لأن الفقه الافتراضي يحسن لغرض تدريب الأذهان على صناعة الفتوى، فإذا خرجنا به عن مجاله، فإنه يأتي بأثر عكسي!

فكفانا استفزازا لمشاعر المسلمين بفتاوى ظاهرة التساهل من شأن الالتفات إليها تنكب سبيل التعظيم لشعائر الله.
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *