جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

شخصيات

الشيخ عبد السلام البسيوني يكتب: رحيل أحد أبرز مؤسسي العمل الإسلامي في إسبانيا رياج ططري بكري

الشيخ عبد السلام البسيوني يكتب رحيل أحد أبرز مؤسسي العمل الإسلامي في إسبانيا رياج ططري بكري



الشيخ عبد السلام البسيوني يكتب رحيل أحد أبرز مؤسسي العمل الإسلامي في إسبانيا رياج ططري بكري



إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن؛ ولا نقول إلا ما يرضى الرب؛ وإنا على فراقك أبا إسلام لمحزونون؛ وأسأل الله ربي الكريم أن ينزلك منازل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ وحسن أولئك رفيقًا! وأن يجمعني بك وأحبابك في مقعد صدق عند مليك مقتدر!

عرفته، واقتربت منه، لأجد أفقًا رحبًا، وفقهًا بالواقع ووعيًا، وخبرة طويلة بالعمل لله، وصدرًا لا يضيق بالخلاف، وفهمًا عميقًا للموازنات والمقاصد، وبعدًا عن العصبية، وبغضًا للتنطع والتطرف، وسماحة في احنواء الناس على اختلاف مشاربهم، واستيعابًا لحق البلد الذي أضاف المسلمين لمواطنيه وأكرمهم (إسبانيا) مع لين في الطبيعة، وابتسامة هادئة راقية لا تفارق محياه، وحسن استقبال لضيفه!

ولي معه مواقف عدة سأكتب عنها ذات يوم قريب – كتابًا ضافيًا - لو شاء ربي وأفلتُّ من الكورونا التي اغتالته شهيدًا مبطونًا؛ أحسبه والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا!

كان فقيهًا في الدعوة؛ عليمًا بما نيط به، بصيرًأ بالتحديات التي يواجهها رحمه الله تعالى؛ لذا فإنه - وعيًا منه؛ وفرارًا منه من تصنيف المفوضية التي يرأسها تحت لافتة محددة يمكن أن تحرج العمل الإسلامي - وضع ثلاثة مبادئ رئيسة تحكم العمل؛ وأشهد بالله أنني رايتها مجسدة في مقر الاتحاد:

- أن المفوضية أو هيئة دينية لا تتدخل في الأمور السياسية والاقتصادية والنقابية إلخ!
- وأنها تنسجم مع شكل الدولة الإسبانية المبني على الأقاليم المحكومة ذاتيا!
- وأنها تلتزم بمبادئ الإسلام
- لذا فلم يكن أحد يستطيع أن يصنف المفوضية ومسجدها ومن فيها على أنها تنضوي تحت تنظيم أو انتماء أو لافتة؛ بل هم مسلمون إسبان؛ يحبون دينهم وبلدهم وقومهم! ويتعاملون مع الجميع على السواء؛ وكانت له رحمه الله تعالى علاقاته الواسعة مع الساسة، والمؤسسات الدينية المختلفة في إسبانيا!

كان رحمه الله تعالى رئيس المفوضية الإسلامية بإسبانيا، والمسؤول الأول عن جميع القضايا المتعلقة بالجالية المسلمة،ويشرف على عدد من الجمعيات الإسلامية، والرئيس المنسق بين الجالية الإسلامية المقيمة بالديار الأسبانية وبين حكومة البلاد.
والمفوضية الإسلامية في إسبانيا هي الجهاز الممثل الشرعي للإسلام وللمسلمين في إسبانيا أمام المواطنة والإدارة للتمثيل وللمفاوضات وللتوقيع ولمتابعة الاتفاقات المعقودة على الإسلام والدولة بالقانون رقم 26 / 1992.

وأقبس هنا بعض ما كتبه السيد بوعزى عسام: رجل هادئ وسط العاصفة (مع تصرف يسير):

لا نجد عبارة نبدأ بها هذه النظرة لشخصية السيد رياج ططري بكري إلا القول بأنه رجل يعيش على حد السكين، ويكافح على وهاد وعرة، ولكنه يفعل ذلك بهدوء كبير يثير الإعجاب.

ولد السيد رياج ططري بكري في مدينة دمشق، سنة 1948، وانتقل إلى إسبانيا سنة 1970، شأنه شأن كثير من الطلبة السوريين والفلسطينيين ودرس الطب في جامعة سنتاندير. غير أن هواه لم يكن في الطب، (فاتجه لدراسة اشريعة ونال الدكتوراه في أصول الفق، ثم فرغ نفسه) وبذل كل وقته منذ وصوله للسهر على إيجاد تنظيم تمثيلي قوي ومستقر للمسلمين في إسبانيا.

منذ ذلك الوقت، "جرت مياه كثيرة تحت النهر" كما يقول الإسبان، فقد سعى السيد ططري عبر الجمعية الإسلامية في إسبانيا، التي كانت أول من قدم طلب التسجيل في وزارة العدل الإسبانية 1967 من باب الوفاء للتاريخ، ثم أول جمعية إسلامية يتم تضمينها في سجل الهيئات الدينية التابع لوزارة العدل الإسبانية سنة 1971، إلى لم شمل المسلمين في هذا البلد والدفاع عن مصالحهم وحقوقهم بالطرق السلمية.

ومنذ البداية، كانت الجمعية تتقدم بكل ثبات وأناة لتوسيع موطئ القدم للإسلام المعتدل، من أجل تطبيع الوجود الإسلامي بها. ولم يكن الأمر هينا، فالوجود الإسلامي في إسبانيا منقطع منذ قرون، وثمة قوى رافضة لكل وجود إسلامي. وبدأت المعركة القانونية التي دامت سنين عديدة، توجت في الأخير بالتوقيع على اتفاقية التعاون بين الدولة الإسبانية والجمعيات الدينية سنة واحد وتسعين.

ويحب رياج ططري أن يذكر دوما أنه بعد التوقيع مباشرة على نص الاتفاقية، قال له أحد الشخصيات الرفيعة التي أشرفت على الاتفاق "الآن انتهينا من النص، وبدأت المعركة " أي معركة انتزاع هذه الحقوق التي نصت عليها الاتفاقية.

وتوالت السنون، وبدأت تشابكات مع الحكومات المحلية والبلديات في قضايا تعليم الدين الإسلامي والمساجد والمقابر للمسلمين.

وعلى الرغم من التغييرات الجذرية التي مست الوجود الإسلامي في إسبانيا في العشرين سنة الأخيرة، من خلال الزيادة الكبيرة في عدد المسلمين عن طريق توافد المهاجرين على إسبانيا من المغرب أساسًا ومن بعض دول إفريقيا ما دون الصحراء، ما جعل الرقم يقفز من أقل من ثلاثين ألفا في بداية الثمانينيات إلى ما يجاوز المليونين، فإن ذلك لم يغير من مبادئ الاتحاد الذي أنشأ اتحادات جهوية حسب الأقاليم الإسبانية، بمنسقين جهويين لتوزيع المهام وتحسين الأداء.

ومما زاد الطين بلة كثرة الخلافات التي تصل إلى حد الفرقة والخصام والتطاحن بين مختلف الهيئات التنظيمية الإسلامية، والتي لا مثيل لها في الهيئات التمثيلية لباقي الأديان.

لذا اعتمد رحمه الله سياسة العمل المؤسساتي المنظم وطول النفس مع الحكومات المتعاقبة، مع إعلان التمرد - عند الاقتضاء - على الإدارات الإسبانية عند وجود حيف لا مبرر له.

وعلى المستوى الداخلي، اعتمد سياسة "اجمع ولاتفرق" في وجه التيارات المنتشرة، إضافة إلى الحساسيات المذهبية والقطرية في الجمعيات، وبذلك أوجد متسعا لكل الحساسيات. ولا يخفى حجم الصعوبات التي من الممكن أن تحدث داخل الجمعيات من جراء عدم وعي البعض أو مطامحه الشخصية، غير أنه اعتمد الحوار الهادئ لإيجاد حلول ملائمة.

غير أن ما يثير الدهشة في الرجل، الذي يجب اعتباره بكل تواضع الرجل الأكثر تأثيرا في الوسط الإسلامي في إسبانيا، هو البساطة الشديدة التي تطبع تعامله اليومي، فهو يتحرك دون هاتف محمول وليست لديه سيارة خاصة؛ بل يذهب رفقة أولاده في سياراتهم؛ أو في النقل العام.

إضافة إلى ذلك، فقد شهد له القريب قبل البعيد بدبلوماسية كبيرة في الحديث وانتقاء شديد للألفاظ مع القريب والبعيد، وجعل ذلك منه محاورا متمرسا مع السلطات الإسبانية تعرف حقه وتقدره قدره.

وفوق ذلك، فهو رجل لا يعرف شيئا اسمه "عطلة" ويعمل طيلة أيام السنة دون كلل ولا ملل، وهو متابع شغوف جدا لأخبار إسبانيا ورجالاتها إلى حدود مدهشة بالفعل، كما أنه ألف عدة كتب ومقالات نشرت في إسبانيا وفي الخارج، ويكتب باستمرار على المدونة الخاصة بالاتحاد.

كان آخر قراراته رحمه الله تعالى بيانه العاجل عن تعليق صلاة الجمعة في المساجد بسبب وباء فيروس الكورونا، الذي لم يعلم أنه سيكون من ضحاياه وينال به الشهادة.

ومن آرائه: 

(أن الغرب لا ينمي ظاهرة الاسلاموفوبيا، ولكن هناك مصالح معينة لاتجاهات سياسية أو جماعات متشددة ذات أهداف يريدون تحقيقها، وأن وزارة الداخلية في اسبانيا أعلنت عن برنامج استراتيجي لإزالة ظاهرة الكراهية بصورة عامة كالكراهية للدين أو للجنس من خلال مرسوم).

(منذ أبد التاريخ وضعوا مقولة فرق تسد، ونحن نقع في هذا المطب وفي كل مكان هذا المبدأ له نصيب فالمسلمون في اسبانيا كانوا مفرقين وكان كل طرف بسبب جنسيته المختلفة عن الآخر يصنع بعض الاختلافات إلى أن وضعنا النقاط علي الحروف وقلنا إذا كنا نريد أن نعيش في هذا البلد كمواطنين لنا الحقوق وعلينا الواجبات سواء بسواء مع كل المواطنين فيجب أن تكون كلمتنا واحدة، ومنذ عدة سنوات توصلنا إلي هذا المشروع واستطعنا أن نحقق منذ سنتين ما لم نحققه خلال 25سنة ماضية بفضل التوافق والفكر المستنير والحوار المجدي وبالاستغناء عن الشتائم واستبدالها بكلمات راقية حضارية نستطيع بها الدخول إلي قلب الإنسان ومن ثم إلي فكره.

عزائي لنفسي، ولآل البكري أجمعين، وعزائي لرفقاء طريق أبي سلام وإخوانه الأقربين: خصوصًا أستاذي د. أيمن أدلبي، ولكل من عرفوا أبا إسلام عن قرب..
عزاؤنا جميعًا: أن الرجل شاب في الإسلام، وقد ورد في الأثر الضعيف: (إن الله يستحيي أن يعذب ذا الشيبة المسلم)!

وعزاؤنا أنه كان في المركز لآخر دقيقة من عمره يعمل لله تبارك وتعالى، لم يقعد في بيته ويسترخ كالمسنين الآخرين!

وعزاؤنا أنه مات مبطونًا شهيد الوباء؛ وقد نص صلى الله عليه وسلم أن هذه شهادة!
وعزائي أنني رأيته آخر مرة دون أن أعلم أنها الأخيرة!
رحمك الله أبا إسلام، وجعلك فرطنا إلى الجنة، وقبلك عنده في المهديين المرضيين.

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *