جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

منوعات

أطباء أمراض نفسية سقطوا في فخ الجنون!

أطباء أمراض نفسية سقطوا في فخ الجنون!


مجتمع بوست | أطباء أمراض نفسية سقطوا في فخ الجنون!


في أحد اعترافاته النادرة يقول الطبيب النفساني الشهير "سيجموند فرويد"، الذي عاش عمره مع اعترافات الآخرين، إن "من حملق في الهوة حملقت الهوة فيه، لهذا ينبغي أن يأخذ الطبيب النفسي حذره وهو يحملق في مرضاه حتى لا يتحول هو نفسه إلى ضحية"!
هذا الاعتراف الخطير يدفعنا إلى التساؤل: هل الأطباء والأخصائيون العاملون في المستشفيات النفسية بمنجى من الاضطراب والوساوس التي قد تدفعهم –أحياناً- إلى الوقوع في الهوة ؟
وكيف يمكن للعقلاء الذي فرض عليهم عملهم (التعامل مع المجانين) أن ينجوا أنفسهم من التأثر بالمرض.. وهل هناك كشف دوري يمكن أن يجري عليهم لحمايتهم من المرض العقلي أو النفسي، أم أن حظهم العاثر قد يدفعهم إلى أن يصبحوا هم أنفسهم نزلاء عنبر بارد خلف القضبان الحديدية الصارمة التي تمتلئ بها مباني مستشفى العباسية للصحة النفسية، ثم الأهم من ذلك .. كيف يقضي موظف في المستشفى وقته بين المرضى العقليين ، وكيف يواجه العالم بعد انتهاء يوم عمله ؟؟
كل هذه الأسئلة طافت في ذهني وأنا أعبر البوابة الضخمة الخضراء إلى داخل المستشفى .. خطوات قليلة واحتوتني الأسوار العالية الصفراء لأصبح في غمضة عين في قلب "السرايا الصفرا" كما يطلقون عليها الناس ، وكان علي أن أقطع الممر الطويل الذي يفصل بي البوابة الرئيسية حتى مكاتب الموظفين "العقلاء" في وسط آلاف المرضى النفسيين والعقليين ، ورغم أن الطريق خال إلا من زائر أو أثنين ، إلا أن الخوف سيطر علي لدرجة التخيل أن المرضى سينقضون علي في أي لحظة لأصبح في خبر كان!
وربما كان وصف شعوري في هذه اللحظة هاماً للغاية ..فعلى الأقل هو نفس شعور جميع العقلاء الذين دخلوا هذا المكان للمرة الأولى .. فماذا عن الذين يعملون فيه ؟
تقول الدكتورة سلوى سامي (نائب مدير مستشفى الصحة النفسية بالعباسية) إنها تحب مهنتها للغاية وهو الشعور الذي يدفعها إلى الحضور إلى المستشفى كل يوم فمن واقع المنصب الذي تشغله والذي يفرض عليها نوعاً من المسئولية فهي حريصة على أن تتابع بنفسها كل ما يجري داخل المستشفى وتتأكد أن إحتياجات المريض قد وصلت إليه بالفعل .
هل صحيح أن من عاشر القوم ؟
هي ترى أن هناك أشخاصاً لديهم استعداد للإصابة بالمرض العقلي أو النفسي الأمر الذي يظهر بوضوح عندما يعملون داخل مستشفى للأمراض العقلية وليس معنى ذلك أنهم أصيبوا بالعدوى فالمرض النفسي غير معد ولكن هو استعداد خاص عند الشخص المصاب .
الطبيب مريضاً !
وتنفي الدكتورة سلوى أن يتأثر الطبيب بالمريض فينتقل إليه المرض دون أن يدري، فهي تؤكد أن الطبيب يجب أن يتجاوب مع المريض ويحس به ويشعره بذلك وهذا ليس معناه أن يتأثر الطبيب بالمريض ولكنه يحاول التجاوب معه في جزء الإحساس بمرضه وربما في هذه اللحظة سيتأثر به ولكنه سيكون تأثراً إيجابياً حتى يستطيع أن يضع التشخيص الصحيح والعلاج السليم.
ولا تنكر الدكتورة سلوى أن هناك بعض العاملين في المستشفى أصيبوا بالمرض النفسي وخضعوا للعلاج في نفس المكان الذي كانوا يعملون فيه وتم شفاؤهم ومازالوا يعملون بالمستشفى وإن تم استبعادهم من القسم الخاص بالتلاحم مع المرضى مباشرة إلى النواحي الإدارية .
رأي الدكتورة "سلوى" يؤكده الدكتور مصطفى النحاس حامد (استشاري أمراض نفسية وعصبية) فهو يقول: إنه من الممكن لأي شخص أن يصاب بمرض نفسي تحت أي ظروف ، وهذا ليس له أي علاقة بوجوده في مستشفى الأمراض العقلية والنفسية لأن هذه الأمراض هي استعداد وراثي وعوامل بيئية مؤثرة وظروف محيطة اجتماعية تنشط هذا الاستعداد، بحيث تظهر الأعراض وتستمر وتشتد حدتها ما لم يكن هناك اكتشاف مبكر ويتم علاجها ، وقد يحدث هذا لبعض العاملين في المستشفى ، ولكن إذا حدث وأصيب طبيب من زملائي فقد تفرض على هذه الحالة طابع السرية لاعتبارات إنسانية، ولا نتعامل معه بالقهر وإنما باللين والسياسة والذوق والأسلوب النفسي السلس .
يضيف د. حامد: ولكن هذا لا يمنع أنه قد لا يستجيب وهو من يتحمل مسئولية نفسه ، وهناك أيضاً حالات أخرى من العاملين في المستشفى محتاجة للعلاج ولكنها رافضة نظراً للسمعة السيئة للمستشفى وبعضهم بتلقي العلاج في التأمين الصحي ، وهناك طبيب يعرف كيف يحمي نفسه فيتمكن من عمل محاضرات توعية وجلسات ثقافية، وهناك الجانب الوقائي وهو من أهم الاحتياطات فلا يجب الانتظار حتى يحدث المرض ، فعملية التوعية والتثقيف والإعلام الصحي سواء في الإذاعة والتليفزيون أو المجلات والجرائد من أهم ما يمكن، لأننا نحاول تقليل نسبة حدوث المرض وانتشاره وإعطاء الخلفية للأطباء للوقاية من هذا المرض بصفة عامة.
المجانين في نعيم
أما بخصوص العاملين فيقول الدكتور حامد أن هناك عدداً كبيراً من الحدائق والمتنزهات حيث تقام الحفلات والرحلات ، وكذلك فإن الاحتكاك بالمرضى النفسيين ليس بالدرجة التي تثير المخاوف بالإضافة إلى ذلك فطبيعة المرضى العقلى اختلفت عن قبل فالعلاج الحديث والأدوية الحديثة أحدثت نتائج مذهلة مما يساعد على سهولة التعامل مع المريض العقلي والنفسي والتحكم فيه ،والفريق العلاجي بصفة عامة يكتسب خبرة مع الوقت في كيفية التعامل مع المريض العقلي ولكن المشكلة فعلاً هي أهل المريض الذين ليس لديهم خبرة وفكرة عن طبيعة المرض العقلي وطرق التعامل معه.
ولا يعتبر الدكتور حامد عمله مزعجاً بأي حال من الأحوال فهو يستمتع به للغاية ويرى أنه متنوع لأنه يوجد جانب علاجي وجانب إداري وجانب تعليم وتعلم وجانب تدريب ، أي أن هناك أنشطة مختلفة على مدار الأسبوع وتكاد تكون شبه يومية ولا ننسى هنا فيلم اسماعيل ياسين "المجانين في نعيم" ومغزاه الذي لا يخفي على أحد .
* وماذا عن نظرة الناس إلى المرضى النفسيين؟
لناس في الخارج تختلف نظرتها إلى الأمراض النفسية من حيث الثقافة ووضعه الاجتماعي وحسب نظرته للأمراض النفسية بصفة عامة وهناك أشخاص يتعاطف الناس معهم وآخرون تخاف منهم بمجرد رؤيتهم .
فالنظرة مختلفة لأن الأمراض النفسية والعمل بها يعتبر من الأماكن التي بها صعوبة والناس تخاف منها .
أما عن الأخصائيين النفسيين فتقول سهير أحمد (وهي أخصائية نفسية تعمل منذ سبع سنوات في مستشفى العباسية للصحة النفسية) أنها لم تستطع أن تمنع نفسها من التأثر بالمرضى في بداية عملها بالمستشفى نظراً لقلة خبرتها ولكن بعد ذلك أصبحت الأمور عادية فمن الممكن مثلاً أن تتأثر "سهير" بظروف المريض الاجتماعية أو مدى المعاناة التي يعانيها ولكن طالما أنها ليست لديها أي استعداد نفسي فمن الصعب أن تصاب بنفس المرض ، و هي تكون سعيدة للغاية عندما تتحسن حالة المريض الذي تتابعه، على الأقل تشعر أنها أدت مهمتها كما هو مطلوب منها ، وهي ترى أن إدارة المستشفى توفر لهم نوعاً من الوقاية كتوفير سبل الراحة من حيث اختيار المكان المناسب والأشخاص الذين تتعامل معهم أو تكليفهم بعمل يناسبهم ولا يضغط على أعصابهم ، أما عن خارج المستشفى فهي تعاني جداً من الجيران والأهل والأقارب الذين ينظرون إليها على أنها مريضة .. ويتعدى ذلك إلى الغمز واللمز بالألفاظ التي تعتبرها تدخل في باب الإهانة الشخصية كأن يناديها أحد "بعباسية" مثلاً .
الجنون فنون
  ونفس المعاناة يمر بها "نادر عبد العزيز" وهو موظف بقسم الإعلام والعلاقات العامة .. فالجميع خارج المستشفى ينظرون إليه نظرة سلبية أو حتى الآن للأسف الشديد تزال سمعة المرض النفسي سيئة وكذلك سمعة المستشفى وهو لا ينفي سعادته بالعمل داخل المستشفى فهو يعتبر عمله داخل المستشفى "ثواب" يجازيه الله عليه رغم أنه نقل إلى العمل بشكل تعسفي ولكنه تقبل العمل وأحبه لدرجة إنشاؤه لقسم العلاقات العامة والإعلام وهو القسم الذي لم يكن موجوداً قبل التحاقه بالمستشفى .
وبالطبع ليس كل العاملين في المستشفى استطاعوا أن يمنعوا أنفسهم من الوقوع في براثن المرض النفسي فهناك بعض الأخصائيين يعانون بالفعل فقد رأيت بنفسي أخصائية نفسية تصرخ في المريضات وهي تشد شعرها قائلة "عاوزين تجننوني" وعندما طلبت منها الحديث معها وافقت على الفور ولكنها تركتني وخرجت لتركب سيارتها ولم تعد حتى الآن !
وقد يكون حال الممرضات أفضل نسبياً فالممرضة "نعمة" ترى أن دورها مهم للغاية في مساعدة المرضى وخاصة أن هناك فريقاً علاجياً جيداً وأسرة مساعدة تشعرها بأهمية دورها ، صحيح أنها تواجه أسئلة كثيرة وكلمات ضاحكة ولكن هذا لا يؤثر على عملها ولا يؤثر عليها شخصياً ، فهي تقول إنها تحب عملها ولا تشعر بالزهق ولم يحدث وأن تأثرت بأي مريض حتى الآن .
وتقول "رباب حسن" (مشرفة النظافة) أنها لا تحب الأيام التي تقضيها في المنزل وتشعر بالسعادة عندما تدخل في الصباح إلى المستشفى وتبدأ عملها فهي تعمل هنا في المستشفى وقبل ذلك كانت تعمل في إحدى البنوك لكنها تركت العمل حيث أحست بالراحة أكثر في العمل هنا في المستشفى .
وكان لابد من وجهة نظر موضوعية فخرجنا من المستشفى لنذهب إلى الدكتور هاشم بحري أخصائي الطب النفسي في جامعة الأزهر والذي يقول إن تأثر الأطباء النفسيين بالمريض النفسي له جانبين فهناك تأثير إنساني و تأثير مرضي ، التأثير الإنساني أن أي شخص يعمل في مجال العلاج النفسي قد يتأثر وبالتالي فهو يحتاج إلى تدريب عالي جداً لكي يستطيع أن يتحمل كل الضغوط ، أما التأثير المرضي فهو كلام غير علمي لأنه لن يتأثر مرضياً إلا من لديه إستعداد داخلي للإصابة بالاضطراب النفسي أو العقلي ، وبالتالي يجب عدم السماح بالسهولة للشخص بالتخصص في العلاج النفسي إلا بعد الخضوع لفحوصات دقيقة جداً ،وقد حدث أن كثيراً من طلبة قسم علم النفس أصيبوا باضطرابات لأنه من المفروض أن يكون هناك فحوصات وتقديرات لأن كل مهنة لابد من اجراء اختبارات لها .
يضيف هاشم: وهناك دورات تدريبية في كيفية التعامل مع المرض المرضى والوقاية الحقيقية إذا شعر الشخص أن لديه استعداداً داخلياً للإصابة بمرض نفسي فعليه أن يسعى إلى العلاج مباشرة. 
ويقول الدكتور محمد سيد خليل أستاذ علم النفس: إن التأثر بالمرض يكون نتيجة نوع من التعايش مع السلوك في بعض الأحيان عن طريق سلوك مكتسب ، أو يكون لدى الطبيب أو الأخصائي النفسي موقف صادم تجاه المرضى يفجر المرض نفسه بداخله ، فمن الضروري أن يخضع الأطباء والأخصائيين العاملين بالمستشفى لعلاج مبدئي ودوري لتفريغ الشحنة لأنه قد يكون لدى أحدهم مرض نفسي أو استعداد داخلي ووراثي ولكنه لا يعرف، ومجرد وجوده وتعامله مع المرضى النفسيين والعقليين يساعد على ظهور وتفجير المرض ، ونحن من جانبنا لن نظلم المرض النفسي .. ولا المرضى النفسيين ..ففي خارج المستشفى عالم آخر .. هو أيضاً ملئ بمرضى من كل صنف ولون .. لن نقول إن "الخارج من مستشفى المجانين مولود والداخل إليها مفقود" ولكن على الخارج منها أن يبحث لنفسه عن دنيا يستطيع أن يتعايش معها بعيداً عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي قد ترغمه على إلى العودة للمستشفى من جديد .  
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *