جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

ثقافة وفنون

أثروا الأدب والثقافة والفن وفسروا الحياة بطريقتهم.. فلاسفة من نوع خاص جداً

أثروا الأدب والثقافة والفن وفسروا الحياة بطريقتهم.. فلاسفة من نوع خاص جداً


أثروا الأدب والثقافة والفن وفسروا الحياة بطريقتهم.. فلاسفة من نوع خاص جداً


زخمت الحياة الثقافية والأدبية والاجتماعية فى مصر حقبة من الزمن بجيل من الرواد الذين طبعوا الحياة بطابعهم فأصبحوا رموزاً لزمن جميل.
هؤلاء الناس كانوا فلاسفة من نوع خاص جداً، رغم أن البعض وصفهم بالصعاليك، والبعض الآخر نعتهم بالظرفاء.. وهم فى حقيقة الأمر مزيج متجانس من كل هذه الصفات التى لم تحجب عنهم يوماً صفة الإبداع والريادة الأدبية والثقافية والفنية، بل وسمة الفلسفة الإنسانية التى كانت تقطر من إبداعهم وفى مجالسهم.
لقد كانوا جيلاً من الأدباء والشعراء أهل الظرف والفلسفة، يمثلون فى الحياة رأياً ومذهباً، وفى الأدب والفن وجهة وطريقة، وكانت لهم فى سلوكهم وفى فنهم صبغة خاصة، ومزايا واضحة، وكانت مجالسهم ومحافلهم مورداً وتأملاً وحكمة.
فى السطور التالية نعرض لبعض هؤلاء الفلاسفة الأدباء قليلاً من آرائهم ومواقفهم وما حكى عنهم، حتى يعلم جيل لم ير هؤلاء ولم يعاصرهم أنهم حقاً كانوا فلاسفة من نوع خاص.

كامل الشناوى.. فيلسوف الأوهام

ذلك الرجل كانت عاطفته أكبر من عقله، وعقله أكبر من علمه، وعلمه أكبر من منفعلة، فهو دائماً فى توتر وقلق، يسأل: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ ومتى؟ ولكنه لا يجد علماً يسعفه، ولا عقلا يقنعه، ولا حيلة يجد فيها الإطمئنان والإيمان، وهكذا عاش حياته يسأل ولا مجيب وينادى ولا سميع ويحاول أن يتلمس طريقاً للسلامة، فلا يجد إلا حديث المجلس يغرق فيه.
وكان كامل الشناوى رجل حديث ومجلس فهو آخر المجلسيين وخاتم عهدهم وفى المجلس كانت كل براعته ومهارته والتركة الرابحة التى ورثها عن جيل حافظ إبراهيم، والبشرى، وحفنى محمود، والبابلى، وحسين شفيق المصرى، وإخوانه من مقاهى السكرية والفيشاوى، ثم ما كان من طبعه من فخامة، وفى شخصه من ضخامة، وما وهبه الله من قدرة قادرة على تشكيل الصوت، وتلوين الحديث وفقاً لما يريد.
وكان كامل الشناوى إذا ما أخذ مكانه للحديث فى المجلس سيطر على كل شئ فيه، ورأيته جياشاً، يود بالطول كل مهيج، وينزع فى كل منزع، فما شئت من فكاهة ضاحكة، أو غمزة ساخرة، أو تقليد لما فيه إلتباس من مفارقات، أو تدبير المقالب التى تثير العجب فى أوساط الأدباء والصحفيين، وعلى هذا كان يقضى كامل لياليه فى السمور، وحوله جماعة من الشبان يستزيدونه من الحديث، ويثنون على براعته فى الحديث، ويشاركونه بما عندهم تجاوباً مع هذا السمر الحلو الممتع، ولكن كامل كان يضيق أحياناً بهذه الحياة الرتيبة، وهذا الإسلوب الذى لا يتغير فينتابه القلق والتوتر ويعتريه فزع وخوف رهيب وتعتريه أوهاماً، من ذلك المجهول الذى يحيط بنا وما يطويه، أو هو وضع يقتضيه التعادل النفسانى، أو هو صدى الأسئلة الكثيرة التى تلح على ذهنه، عن يومه وغده، وعن حاضره ومستقبله، وعن طريقه ومصيره، وهذا هو سر الضيق الذى يعيش فيه كامل، والألم الذى يقاسيه فى حياته، حتى يتمنى لو أن يوم مولده لم يكن فى عداد الأيام والسنين.
وفى الحق أن كامل لم يسعد بحياته الضاحكة، ولم ينعم بالسرور، وبذلك الأسلوب الفكاهي الذى يؤثر فى حياته، والذى كان محور مجلسه وسمره، ولن تجد أى مظهر لهذا فى شعره أو نثره، وإنما تجد شعره ونثره مظهر شكوى أليمة، ودليل حياة قاسية، لا تحتمل ولا تطاق، حتى أسلوبه فى الكتابة، تجده نغمة حزينة، لا تسمع فى نبراتها إلا رنين الألم، إن صح أن للألم رنيناً.
فأنت إذا كنت لم تر كامل الشناوى، ولا سمعت عنه أو وقعت على شئ من خبره، وقرأت كل ما كتبه ودبجه من نثر أو نظمه من شعر، فإنك ستحكم بأنه رجل لم يعرف سرور الحياة قط، ولم ينعم فيها بيوم ضاحك، جف فيه دمعه وتفتحت أساريره، ولم يستقبل الحياة بنظرة تفيض بالتفاؤل والأمل.

محمد السباعي فيلسوف الحياة

ذلك الرجل عاش مع الحياة وجها لوجه، يتلقى بؤسها كما يتلقى نعيمها، ويعيش مع شرها كما يعيش مع خيرها، فلا يعنيه أكانت الأمور إلى إدبار أم إلى إقبال ولا يبالى أطلعت عليه الأيام بالنحس أم بالإسعاد، ذلك لأنه كان يرى أن النفس الإنسانية أكبر وأشرف من أن تهلك حسرة فى طلب أكلة أو أسفاً على وظيفة، أو هوانا وراء أى مطلب من مطالب هذه الحياة، ومادامت الغاية واحدة، وكل حى إلى القبر مصيره، فسواء راكب الطريق الخشن، وراكب الدثار الدمث، سواء أكان الوصول على قطار الطيش والغرور، أم على قدم خاشعة من التقى والقصد، وكذلك كل شأن من شئون الحياة، فالطعام فى قصعة الخشب، هو الطعام فى آنية الفضة والذهب، والمرأة فى الثوب الممزة الخلق، هى المرأة فى زخرف الزينة المؤتلق، والمنزل تأوى إليه واحد، سواء أكان فى حوش قدم، أم على رابية فى أعلى القمم، فالأمور بغاياتها، فإن تهيأت الرفاهية فى الوسيلة فحباً وكرامة، وإلا فهو واقع الأمر، لا حيلة للإنسان فيه، والشقاء فى الحسرة على الشئ، أسوأ وأقسى من الشقاء بقوته وضياعه.
كذلك كان رأى الأستاذ محمد السباعى رحمة الله عليه، وعلى هذا المذهب قطع مرحلة الحياة عابر طريق وهو مذهب على ما يبدو، هداه إليه طبعه قبل أن يصل إليه بثقافته، ولهذا لم يجعل للحياة سلطاناً عليه زبداً، فلم يستذل نفسه فى يوم من أجل مطلب من مطالب الدنيا، ولم يحاول أن يحتمى من صروف الزمن وراء منصب ثابت، أو وظيفة رتيبة، ولم يقف مرة يشاكس على مظهر الوجهة الزائفة، والجاه الكاذب، أو ليزاحم على التشبث بأذيال عظيم، أو الاحتماء بظله، وهذا كله كان شأن الناس فى عصره، وهو أيضاً شأنهم فى أيامنا، ولكنه كان يرى فى ذلك صغاراً لا يليق بإنسان كريم، وهو أنا لا يليق مع نفس حر، وكان يقول: "أن الحياة لتستعبد الناس وتسترقهم بقدر ما يتهالكون على مطالبها، ويغرقون فى السعى وراء مظاهرها، وليس العبد فى الحقيقة إلا رجلاً باع نفسه وحريته إلى آخر ضماناً للقوت الرتيب، وما يكفل له الحياة"، وكان كثيراً ما ينشد قول القائل:
ولست بمفراح إذا الدهر سرنى            ولا جزع من صرفه المتقلب

حسين شفيق المصرى.. فيلسوف الضحك

يحكى محمد فهمى عبد اللطيف فى كتابه "فلاسفة وصعاليك" عن حسين شفيق المصرى قائلاً: كان أحد أصدقائنا الظرفاء يسميه ألف صنف، وكان أخوانه ينعتونه بالكشكول، وكنت كلما رأيته، وضمنا مجلس مع الأصدقاء والأصفياء، واشتبكنا فى فنون من الحديث أدباً وشعراً ورواية وفكاهة، قفز إلى ذهنى قول الشاعر أبو نواس:
وليس على الله بمستعبد           أن يجمع العالم فى واحد
فقد كان فى جمجمة هذا الرجل خليط من المواهب والملكات، لا يكن أن يحده وصف جامع مانع، كما يقول المناطقة، فهو شاعر وناثر وزجال ومسامر، ثم هو راوية وحافظة واعية، لا أعنى رواية للشعر والطرائف والنوادر فحسب، بل رواية أيضاً لأخبار الناس وحوادث الأيام وخفايا المجتمع، وبعد هذا فقد كان صاحب نكتة وفكاهة لا يبارى ولا يجارى، ومن أفطن الناس فى فهم طبائع الناس، وبكل هذه المواهب والملكات حمل القلم زهاء نصف قرن من الزمان فى دنيا الصحافة والكتابة يفيض على الناس من مواهبه وملكاته، فإذا خاض فى مجال ألقوا شعراً، أو نثراً فى مقام الجد، وقف فى ذلك على قدم ثابتة تعلو به إلى مقام أصحاب الصدارة والتقدم.
ما فى الفكاهة والتندر والهزل، فكان المجال مجاله، لا يزاحمه فيه مزاحم، وما كان الناس ينظرون إليه ولا يعرفون له قدره إلا فى هذا المجال، ولقد جاء زمن كان فنه الفكاهى عنواناً بارزاً فى حياتنا الأدبية، وكانت آثار قلمه هى المسيطرة على الصحافة الفكاهية فى مصر، وتملأ على الناس حياتهم الساخرة فى مختلف النواحى الوطنية والاجتماعية والإنسانية،وفى تصوير النماذج الاجتماعية من الناس، سواء من كانوا يسمونهم عليه القوة، ومن كانوا فى المرتبة الدنيا من القوم.
هكذا كان حسين شفيق المصري مجموعة من العجائب والغرائب التى لا حدود لها، وخليط من الملكات والمواهب التى تبلغ حد التناقض فيما بينها، وكنا نعرف أن الملكات على حساب ملة أخرى، ويبدو أن صاحبنا قد جاء فلتة تنقض ما أصطلح عليه أهل العلم فى فهم هذه المسألة، وكنت أحار فى التعليل لهذا الخليط من المواهب التى تراكمت فى جمجمة هذا الرجل، وكنت أعزو ذلك أحياناً إلى ما فى تكوينه من خليط مزجى من الدماء، فقد كان يقول لى أن دمه خليط من العرب والترك والمغول والكرد والفرس، وما لا أدرى من الأجناس.
كان الضحك هو الصورة البارزة فى حياة حسين شوقى المصري وفى أدبه وفنه، الضحك بكل ألوانه وأساليبه، فكهة وتهكماً وسخرية لاذعة وما كان الرجل يضحك من قلب فارغ من الهموم، فقد كانت حياته سلسلة من قشف العيش ومنغصات الهم والفقر والإهمال، وما كان يضحك عن عبث واستخفاف بالحياة ولكنه كان يضحك عن فلسفة ونظرة جادة إلى الحياة وكثيراً ما كان يرسل النكتة الساخرة اللاذعة وهو موجع القلب، دامع العين، ولكنه يتخذ من النكتة الساخرة أسلوباً للنقد والتقويم والتهذيب والتوجيه.
وهو أسلوب أشد ما يكون تأثيراً، وأنفذ ما يكون إلى القلب، ثم هو أسلوب يملأ النفس بالبشاشة ويستفزها بالضحك، وكانت الفكاهة هى كل ما يرتهن به قلم حسين شفيق المصرى فى الصحافة، شعراً ونثراً وزجلاً، وكل ما تتجلى به قريحته تنكيتاً وتبكيتاً وقفشاً ومبادهة فيما يجرى من أمور الدنيا، ويقع من تصرفات الناس.
وكانت الفكاهة فى قلمه ولسانه أداة قد وتقويم وتوجيه، وأسلوباً يثير فى النفوس من التهكم والسخرية والتريقة أكثر مما يثير الضحك فهى فى حقيقتها فكاهة الجد الصارم، والنقد اللاذع وإن تجلت فى أسلوب الهزل والضحك وفن الفكاهة عند حسين شفيق يقوم على المفارقة فى إهدار القياس المنطقى المألوف فى كلام الناس، وتفاهمهم وممارستهم لشئون الحياة وهذه المفارقة هى الأصل الذى تقوم عليه الفكاهة بصفة عامة بين سائر الناس وفى كل المجتمعات البشرية.
وإنما تكون البراعة فى الأسلوب الذى تعرض به هذه المفارقة بحيث تتوفر كل عناصر المفاجأة والإدهاش والإغراب التى تكون بها الأثرة والإضحاك وعلى قدر ما يكون فيها من طرافة التعبير ورهافة الإحساس يكون أثرها فى الإثارة والإضحاك والذى لاشك فيه أن النكتة المنطوقة يرسلها صاحب الفكاهة إلى المجلس وعلى خشبة المسرح تكون أسهل أخذاً ومنالاً فى إثارة الانفعال والإغراق فى الضحك لأنه يستعين فى أدائها بالحركة والإثارة والصوت وتلوين العبارة اما صاحب الفكاهة المكتوبة فإنه لا يستطيع أن يبلغ الغاية فى ذلك إلا إذا أختار لأدائها الألفاظ والكلمات والأسلوب الذى تتمثل فيه دلائل الحركة والإشارة والصوت حتى لا تؤثر الفكاهة وتثير الضحك وهذا عمل يحتاج إلى براعة فنية وإلى عبقرية فذة تعرف كيف تتسلل براعتها إلى مدخل النفوس وفى كل هذا كانت عبقرية حسين شفيق المصرى.

الشيخ الشربتلى.. فيلسوف الرغيف

للشربتلى فى تاريخ الصحافة المصرية فى مطلع هذا القرن دوراً قل ما يقال فيه، أنه يعطينا صورة صادقة لجانب من حياة الصحافة المصرية فى ذلك العهد.. ولقد مضى زمن كان فيه هذا الرجل حديث الناس وشغل الأذهان، وكم له من مواقف وأحوال كانت العجب والعجاب، فقد عاش الشيخ الشربتلى طول حياته على مذهب المنفعة، يقول كلمته حيث يجد لقمته وأنه ليغدو بالرأى فى الصباح مع هذا، وينقلب فى المساء مع ذلك، وقد يقف تحت سمع الناس وبصرهم يؤيد قضية من القضايا، ثم لا يبالى أن ينثنى لساعته فيعلن كل ما قاله للناس.
كان ينتهج نهج السوفسطائين فى ذلك فيقول: إذا ما نظرت إلى دنيا هذا العصر فيما يدور به، وتجرى عليه، فهل ترى آلا مذهب اقتصادية واجتماعية لا غاية فيها إلا تحقيق الفائدة والكسب؟ وهل ترى فى تلك الحروب التى تستعر نيرانها بين الدول الكبيرة والصغيرة، ويذهب فى سبيلها الملايين من البشر، إلا حرباً على الرغيف ومن أجل الرغيف؟
ثم هل ترى الناس من حولك فيما يتعالمون به ويتواصلون عليه، إلا سائرين فى هذا الطريق؟ فهم يسخرون كل ما لديهم من معرفة وخبرة، ويحشدون كل ما عندهم من براعة وحيلة، ويربطون كل ما لهم من صلات ومودات مع الناس باللقمة التى يشتهونها وبالمنفعة التى ينشدونها، على أنهم لا يكتفون بذلك، بل أنهم يضيفون إلى النفاق المذهبى نفاقاً آخر، فيسمون الأشياء بأضدادها، ويلبسون لكل حل لبوسها، ويدلسون أغراضهم فى كل ما يقولون ويفعلون، وكانت الصحافة على عهد الشيخ الشربتلى تعتمد على المقالة والكتابة، ولم تكن الصحيفة فى مادتها الأولى إلا مجموعة من المقالات التى تتناول أعداداً من الأغراض المختلفة.
كان الشيخ الشربتلى يفد صباح كل يوم على "قهوة العلم" فيأخذ مجلسه فى المكان الذى أعتاده دائماً، ثم يخرج أدواته النحاسية وأوراق تحريره وأقلامه، ويضعها على المضدة تحت ذراعه، وينادى الشيخ على القهوة والنرجيلة، ويجلس كأنه يستعد لمواجهة معركة حامية، ثم يلبث أن يوافيه أصحاب الصحف والمجلات فواحد يطلب منه كتابة مقال فى سب فلان، فيكتب له الشيخ المقال كأشنغ ما يكون من الذم وأفظع.
ما يكون من الهجاء، وثان يرغب فى تدبيج مقال فى مدح هذا الفلان بعينه، فيدبجه له الشيخ كأروع ما يكون المدح وأطيب ما يكون الثناء وثالث يطلب من الشيخ أن يكتب له عن تلك الحادثة التى وقعت فى درب الفرودي واستفاض عنها سؤال الناس، فيكتبها له بما يوافيه الخيال، ويضيف إليه من الغرائب والخوارق مالا يخطر ببال ثم رابع يطلب مقالاً عن سياسة إنجلترا فى مصر، وخامس يرجو مقالاً عن خليفة آل عثمان، وهكذا لا يقوم الشيخ من جلسته حتى يكون قد كتب لعدد من الصحف والمجلات التى يعلن بعضها بعضاً ثم تصدر تلك الصحف، ويقرأ الناس فيها ما يغضبهم وما يرضيهم، ويشتد بينهم الخلاف وللجاج فى شأن ما يقرؤون والشيخ فى مجلسه أمن مطمئن، لا يعنيه مما فى هذه الصحف والمجلات إلا أن يجد أجره على ذلك، وما يضمن له قوام الحياة.
وكانت طريقة أصحاب الصحف فى اتفاقهم مع الشربتلى على تحرير المقالات من أفكه ما يروى، فإذا ما فاوضه أحدهم فى شأن التحرير، أخذ فى سؤال محدثه عن نوع الكتابة التى يريدها، أهى من النوع العادي أم المتوسط، أم الفاخر؟
أما الأول فمن نوع وأسلوب المؤيد واللواء فى ذلك الوقت، وهذا ثمن تحريره خمسة قروش صاغ للصحيفة الواحدة.
والثانى وهو فى المتوسط فمن أسلوب الشيخ محمد عبده "رحمه الله" والشيخ توفيق البكرى، وهذا بعشرة قروش للصحيفة.
والثانى وهو فى وهو فى المتوسط فمن أسلوب الشيخ محمد عبده "رحمه الله" والشيخ توفيق البكرى، وهذا بعشرة قروش للصحيفة.
أما النوع الفاخر، فهو من نوع كتابات ابن المقنع والجاحظ وبديع الزمان المهذانى، وهذا لا يخلصه التحرير به إلا عشر قرشاً عن الصحيفة الواحدة.
فإذا ما إتفع على ثمن التحرير، أخذ يقيس حجم الصحيفة المراد تحريرها لئلا تكون زيادة المألوف، وكان يكتب مقالاته بخط دقيق جداً، يتعذر على منضدى الحروف بالمطابع قراءته، فإذا ما اشتكى له صاحب الصحيفة ذلك، بادر بقوله: هى أم خمسة حتشترى ورق، وإلا حبر، وإلا أجر كتابة المقال.
ويرى الذين عاصروا الشيخ الشربتلى أنه كان أسرع الكتاب وقدرهم على الكتابة فى الشئ وضده، كما كان من أقدر الناس على تلفيق الأخبار واختلاف الحوادث وإختراع القصص والروايات وكان يتمتع فى هذا بموهبة خصبة، لو أنه استغلها فى مجال منظم، لكان من أبرع كتاب القصص الخيالية فقد كتب الشيخ الشربتلى أكثر من مائة مقال تحت عنوان "السرطان السياسى" فى إحدى الصحف اليومية، وكان يتحدث فى هذه المقالات المتتابعة عن مجاهل أفريقيا، وعادات سكانها، وعن الهنود الحمر، وشذوذ طباعهم ولفيق حوادثها ويرتب وقائعها ترتيباً قصصياً حتى أنه يخيل إليك أنه زار هذه المناطق ودرسها دراسة وافية، وهو لم يغادر القاهرة قط، وما كان أشيخ يعرف لغة غير العربية حتى يتهم بنقلها بالترجمة ولو أن هذه المقالات سويت فى كتاب لكانت رحلة من أمتع الرحلات الحافلة بقصص المغامرات وعجائب الخيالات.

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *