جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

أسرةشباب

ثقافة العمل التطوعي.. "الضرورة الغائبة"

ثقافة العمل التطوعي.. "الضرورة الغائبة"

ثقافة العمل التطوعي.. "الضرورة الغائبة"


في كثير من الدول النامية، ومنها بلادنا العربية، ظاهرة تمثل قاسماً مشتركا بينها جميعاً، وهي كثرة الأجهزة الحكومية واتساع المجالات التي تتدخل وتتداخل فيها، ما أوحى للمواطنين بأن الدولة تستطيع القيام بكل شيء، أو أن عليها القيام بكل شيء، وهو ما جعلهم لا يشعرون بمدى أهمية "مسئوليتهم الفردية" تجاه قضايا المجتمع ومشكلاته الكثيرة، وجعل ما يُبذل في تلك المجتمعات من جهود تطوعية ضئيلا جدا إذا ما قورن بهذا المجال في الدول المتقدمة، حتى باتت الثقافة التطوعيّة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية بمثابة "الضرورة الغائبة"، مع أننا أولى بها من كل الأمم والحضارات الإنسانية.
وتندرج "ثقافة العمل التطوعي"، في أبسط أشكالها ومفاهيمها، في سياق المشاركة والتفاعل المجتمعي وتقاسم المسئوليات والإمكانيات في سبيل خدمة الصالح العام، ومفهوم التطوع ليس جديداً إذ لطالما عرفته الحضارات الإنسانية ورسخته الأديان السماوية وطورته تجارب المجتمعات في أوقات السلم وفي أوقات الحروب والنزاعات، بعد أن تزايدت الحاجة إليه وإلى الخدمات الإنسانية التي تنبثق من المبادرة الطوعية المحضة.
العمل التطوعي عبر العصور
نشأ العمل التطوعي بنشأة الإنسان على وجه الأرض وبدوافع إنسانية بحتة، منذ أدرك إنسان العصور الأولى من التاريخ القديم حاجته للآخرين وللتعاون معهم في تحقيق حاجاته الأساسية مثل: ضرورة البقاء، وتحقيق الحماية من الأخطار والحيوانات المفترسة، وتحقيق الأمان من خلال الانتماء لجماعة، وتأمين الغذاء والماء والمسكن، ثم تعزَزت وترسخت تلك المبادرات وتحولت إلى أعمال فردية جماعية يقدِّمها القادرون للفئات الأقل قدرة وإمكانية.
ومع تطور التجمعات الإنسانية البدائية وتحولها إلى قبائل وعشائر وأمم ومجتمعات، تنامى إحساس الفرد بموقعه ضمن الجماعة ونشأت الروابط الأسرية والاجتماعية وبالتالي المجتمعية، وتطوَّرت الروابط التي يؤمِّنها الانتماء لجماعة ويؤمِّنها الأفراد لهذه الجماعة، مما شكّل تطورها مبادئ العمل التطوعي والاجتماعي في الحضارات اللاحقة.
وهكذا، تطورت ثقافة العمل التطوعي عبر العصور من مجرد تعاضدٍ إنساني غير منظم، إلى مفهوم أخلاقي دعت إليه كل الديانات السماوية، ومن ثم إلى مفهوم مجتمعي يمثل نشاطا مدنيا بات قطاعا منظما ومستقلا، تتناوله الدراسات والخطط التنظيمية وتربطه بقيم "المواطنة" والمجتمع المدني ومفاهيم التنمية الشاملة.
وعالمياً،  تعد بریطانیا أول من أسس فرقا من المتطوعین، وذلك لمواجهة حریق لندن الذي عُرف بـ "الحریق العظیم" في سبتمبر عام 1666، كما أنّها استفادت من المتطوعین إبان الحربین العالمیتین الأولى والثانية، للاستعانة بهم في إبلاغ المواطنین عن الغارات الجویة من أجل حمایتهم من أخطارها.
في حين تعد الولایات المتحدة أول من قام بتنظيم العمل التطوعي في العالم، حیث أصدرت في دیسمبر عام 1737 قانوناً ینظم العمل التطوعي في مجال إطفاء الحریق بمدینة نیویورك.
وتعبّر المشاركة الفعالة في العمل التطوعي داخل أي مجتمع عن مدى الوعي والنضج والرشد الذي وصل إليه هذا المجتمع, فنمو حركة العمل التطوعي يساهم بصورة حيوية في النهوض بالمجتمعات, وتنمية الطاقات والكفاءات الموجودة فيه بما يخدم مسار التقدم والتطور المجتمعي.
ولا شك أن حيوية أي مجتمع، أو ركوده، ترتبط بمستوي الثقافة السائدة فيه. فإذا كان هذا المجتمع تسوده ثقافة منتجة ومتحركة وواعية، فسيكون - بالتالي- مجتمعاً حيويا ومتطورا. أما إذا كانت الثقافة السائدة في المجتمع "ثقافة سلبية"، فسيصاب المجتمع بالركود وانعدام الفاعلية.
و"ثقافة التطوع" هي جزء لا يتجزأ من مفهوم "الثقافة" بالمعني العام, ويسهم انتشار هذه الثقافة في أي مجتمع في تحريكه ودفعه نحو المزيد من الإنجاز والإنتاج في كافة الميادين والمجالات.
غياب ثقافة التطوع
رغم كل ما تمتلكه ثقافة التطوع في الإسلام من مخزون قيمي أخلاقي أصيل، مُحفز ومُشجع، وما يحض عليه الدين الحنيف من دوافع كبيرة للانخراط في مجالات العمل التطوعي، إلا أن الملاحظ مع الأسف هو تدنى التفاعل مع مجالات العمل التطوعي في مجتمعاتنا.
ويعود ذلك لأسباب مختلفة مثل, غياب ثقافة التطوع لدى الكثير من الناس, وعدم  إدراك المضامين النبيلة للأعمال التطوعية, واهتمام معظم الأفراد بقضاياهم الخاصة, وعدم إعطاء أي أهمية لقضايا المجتمع والمصلحة العامة للأمة, فضلا عن وجود معوقات ومشاكل تعترض طريق العاملين في الأعمال التطوعية، مما يدفع بالكثير إلى الابتعاد عن المشاركة فيها، فضلا عن "تقليدية" بعض المؤسسات الإنسانية وعدم قدرتها على إنتاج خطاب ثقافي تطوعي قادر على التجديد والفاعلية والتجاوب مع متغيرات العصر.
وحتى نستطيع تجاوز هذه المشكلة, لابد من تفعيل ثقافة التطوع على المستويين النظري التأصيلي, والعمل التطبيقي في البنية الاجتماعية، عن طريق صياغة خطاب ثقافة التطوع بأسلوب حديث قادر على التأثير في الأجيال الجديدة, والتركيز على فوائد ومكتسبات العمل التطوعي للأفراد المتطوعين, حتى تزداد القناعة بأهمية المشاركة, فضلاً عن إعادة ترتيب أولويات العمل التطوعي بما يناسب كل مجتمع وأمة, وربما يساهم في تلبية الحاجات الجديدة للمجتمع, وعدم الاكتفاء بالأعمال التقليدية كدعم الفقراء والمحتاجين؛ وإن كان هذا من صلب الأعمال التطوعية, إلا أن هناك الآن قضايا مهمة ورئيسية كالأعمال الإغاثية ودعم ضحايا الحروب وشئون اللاجئين.
ولابد أيضاً من إعادة صياغة الخطاب الديني الموجه، على أن يقوم بتحديد أولويات العبادة المستحبة المرتكزة على نفع الناس وخدمتهم، وحمل الهم الاجتماعي وتلمّس آلام وجراح المتضررين، حتى خارج إطار العمل الإغاثي المنظم.
وتثمر المشاركة في العمل التطوعي فوائد كثيرة على الفرد المتطوع في حياته الدنيوية؛ فهي تدربه على المشاركة المفيدة في المجتمع, وتُكسبه الثقة والشعور بالرضا عن نفسه, فضلا عن استثمار الطاقات والمواهب الكامنة, وإقامة علاقات اجتماعية مع الأشخاص والمؤسسات الإنسانية والإغاثية, واستيعاب متطلبات وظروف المجتمع, وترويض النفس البشرية على حب الآخرين ونكران الذات, وتعويد الفرد على العمل مع غيره كفريق عمل، لرسم الخطط واتخاذ القرارات.
ومن أجل تفعيل العمل التطوعي في مجتمعنا لا بد من نشر ثقافة التطوع، التي تدفع نحو المشاركة الجماعية في أي مجال من مجالات هذا التطوعي وميادينه المختلفة، فالثقافة التطوعية هي الركيزة الرئيسية نحو إيجاد الأرضية الملائمة لنمو شجرة العمل التطوعي، وتقوية روافده، وتفعيل أنشطته النبيلة.

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *