جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

منوعات

قصر القبة.. متحف الأعاجيب والأسرار!

قصر القبة.. متحف الأعاجيب والأسرار!

قصر القبة.. متحف الأعاجيب والأسرار!




كتب: محمد أبو الوفا
الشائع أن الخديوي إسماعيل هو الذي شيّد قصر " القُبة " بالقاهرة . ربما لأنه شيد بالفعل الكثير من القصور والسرايا لأبنائه في عدة مناطق ليشجع امتداد العمران أليها علي أن الثابت -حسب تأكيد الباحث عمرو سميح طلعت– أن إبراهيم باشا أبو الخديوي إسماعيل هو الذي بنى سراي القبة. وقد بدأ العمل في بناء القصر في عام 1842.في أواخر عهد محمد علي باشا وأواخر عمر ابنه إبراهيم. 
الذي لم يحكم سوى أشهر قليلة توفى بعدها في حياة والده. وقد ذكر علي مبارك باشا في كتابه " الخطط التوفيقية "أن إبراهيم باشا شيّد قصور عديدة من بينها سراي القبة. وقد آل بعد وفاته إلي ابنه الأمير مصطفى بهجت فاضل أخو إسماعيل الذي اشتراه فيما بعد وهو ما كان ليحدث لو أن إسماعيل هو الذي أنشأه.
منذ اعتلاء إسماعيل أريكة الحكم احتدم الصراع بينه وبين أخيه الأمير مصطفي فاضل وعمه الأمير محمد عبد الحليم على نظام وراثة الحكم فبينما كان الأميران يسعيان لإبقاء ولاية العهد لأكبر أمراء الأسرة مما يتيح لهما فرصة الولاية بعد إسماعيل سعى هو من جانب آخر إلي تغيير النظام ليغدو وليّ العهد هو الابن الأكبر للحكم. وفي النهاية ظفر إسماعيل بفرمان عام 1866 الذي غيّر نظام الوراثة في مصر من أكبر أبناء أسرة محمد علي إلى أكبر أبناء الحاكم وبالتالي انتقلت ولاية العهد من الأمير مصطفى فاضل أكبر أشقاء الخديوي إسماعيل إلى الأمير محمد توفيق أكبر أبنائه. 

قصر القبة.. متحف الأعاجيب والأسرار!

على أثر ذلك انتقل الأميران إلى الإقامة الدائمة بالآستانة وقد استنزف هذا الصراع جانباً كبيراً من ثروتهما في موقعاً في ضائقة مادية وتحرك إسماعيل بذكاء لشراء أملاك الأمير عبد الحليم سنة 1865 ثم أملاك الأمير مصطفى فاضل سنة 1866 بهدف إضعاف تواجدهما وهدم سطوتهما في مصر.
باع الأمير مصطفى فاضل أملاكه في مصر إلى أخيه إسماعيل مقابل مليونين وثمانين ألف ليرة إسترلينية (وهكذا ذكرت في العقد والمقصود جنيه) تُسدد على خمسة عشر سنة مع فوائد تسعة بالمائة سنوياً وقد نص العقد على أن الصفقة تشمل "كافة أملاكه واطيانه وأراضيه المنزرعة والغير منزرعة بما فيها من المواشي والرزاعة والمعامل والفابريقات والماكينات التجارية والسواقي وبيوت السكن وبيوت النزهة والعمارات ومحلات التشغيل وخلافها ومراكبه التي بالنيل وكذا السرايات وملحقاتها والبيوت والدكاكين المعدة للإيجار والأراضي المبنية والغير مبنية الموجودة بمدن مصر وقراها بدون أن يلزم الحال لتعداد وتخصيص الأملاك التي هي الغرض من هذه المبايعة أو باختصار كل أملاكه بيد أن الاستثناء الوحيد الذي أصر عليه الأمير مصطفى لإتمام تلك الصفقة التي كانت محل شد وجذب بين الأخوين كان "البيت الكائن بباب الحديد وكذا الموبيليات الموجودة بسرايات درب الجماميز والقبة والرمل فهي غير داخلة من ضمن المبايعة" .وسواء كان ذلك الاستثناء لقيمة هذه المنقولات المادية أو لقيمتها الأدبية عند صاحبها فالمهم أن هذا البند في العقد هو الذي أرشدنا إلى انتقال قصر القبة منذ ذلك التاريخ إلى ملكية الخديوي إسماعيل .

قصر القبة.. متحف الأعاجيب والأسرار!

سر القبة !
استمد قصر القبة اسمه من اسم المنطقة التي يوجد بها وكانت هذه هي عادة أمراء الأسرة العلوية في تسمية قصورهم كعابدين ورأس التين وشبرا والنزهة وغيرها ولكن كيف اكتسبت المنطقة هذا الاسم ؟ وما هي "القبة" ؟ وما مصيرها؟ يجيبنا الباحث عمرو سميح بأنه في القرن الخامس عشر وحتى سنة 1470تقريباً ، كان خليج الزعفران (ومحله الآن منطقة قصر الزعفران ، وهو مبنى إدارة جامعة عين شمس) هو مكان التنزه للسلاطين وحوالي ذلك التاريخ بنى الدودار بشبك ابن مهدي "قبة" كان السلطان قايتباي ومن خلفه من السلاطين يقصدونها لتمضية النهار في الترويح والنزهة فاكتسبت المنطقة الاسم وفي عام 1513 أضاف السلطان الغوري نافورات ومشايات جميلة للمنطقة كما شيد مسجد عرف بمسجد القبة وقد جدده الخديو عباس حلمي الناس وكبره في مطلع عهده في عام 1892 .
وفي 12 مايو سنة 1872 قرر الخديوي إسماعيل الإنعام على إبنه وولي عهده الأمير محمد توفيق بهدية ملكية تليق بمقام المُهدي والمُهدى إليه ، فنفحه أطيان زراعية مساحتها 6193 فدان كانت تسمى تفتيش دسونس بالبحيرة (كانت ضمن أملاك الأمير محمد عبد الحليم) و156 فدان بإشمنت ببني سويف بالإضافة إلى تفتيش القبة ويشمل القصر وملحقاته وأطيان مساحتها 3851 فدان ومنذ ذلك التاريخ صار قصر القبة محل الإقامة الرسمي لتوفيق حتى بعد توليه العرش خلفاً لوالده .

قصر القبة.. متحف الأعاجيب والأسرار!

قصر المناسبات
وقصر القبة كان مقر إقامة الملك الخاص بينما قصر عابدين المقر الرسمي للحكم وهذا هو السبب في ندرة وقوع الأحداث السياسية الهامة به وهو السبب كذلك في أن أفراح الأسرة المالكة كانت تقام به ولهذا أيضاً لا يحتوي القبة على قاعات فخمة مثل قاعة العرش أو القاعة البيزنطية أو غيرهما الموجودين بعابدين ، بيد أن ذلك لا يعني افتقار القبة إلى الفخامة وروعة المعمار فبالقصر 425 غرفة ينطق بعضها بأبدع ما يمكن من فن وجمال ، من أهمها قاعة المصاحف التي تزخر بالنقوش البديعة صممت على الطراز الإسلامي فضلاً عما تحويه من مصاحف بالغة الندرة ، أثمنها نسخة من مصحف عثمان ابن عفان رضي الله عنه.
وقد شهد القبة العديد من حفلات زفاف الأسرة العلوية خلاف أفراح الأنجال منها زفاف الأميرة خديجة بنت الخديوي توفيق عام 1895 ، غير أن أشهر عرس أقيم في القبة هو عرس الملكة فريدة إلى الملك فاروق في 20 يناير 1938 ، وقد اصطفت الجماهير لمشاهدة الموكب من بيت أسرتها إلى قصر القبة حيث كان الملك في انتظارها وبيت أسرتها هذا لا يزال قائماً حتى الآن في مصر الجديدة ، وكانت أسرة فريدة المقيمة أصلاً في الإسكندرية قد استأجرته من مالكه (ألفريد بك شماس) لحين إتمام الزفاف .
كذلك شهد القصر مولد العديد من الأمراء والأميرات كان أخرهم مولد الأميرة فتحية صغرى بنات الملك فؤاد في 18 ديسمبر 1930 .
على أن الأحداث التي شهدها القبة لم تكن كلها أحداثاً سعيدة ، فالملك فؤاد الأول فارق الحياة في قصر القبة في 28 أبريل سنة 1936 ولعل من أوجه التشابه القليلة بين الملك فؤاد والرئيس جمال عبد الناصر أن كليهما قد سجى جثمانه في قصر القبة (عبد الناصر توفى في منزله بمنشية البكري ونُقل جثمانه إلى قصر القبة) لحين الانتهاء من إعداد مراسم الجنازة الرسمية .
أدخل الملك فؤاد الكثير من التوسعات والإصلاحات على القصور الملكية خلال فترة حكمه (1917-1936) فجدد قصر رأس التين وبنى قصر الحرملك بالمنتزه وغيرها ولم يكن القبة بأقل منها حظاً فقد أنشأ الملك فؤاد بحيرة صغيرة بحديقة القصر التي تبلغ مساحتها 75 فدان كما أمر ببناء سور بارتفاع 4 أمتار حول القصر يزيد عن 4 كيلو مترات أما البوابة الرئيسية المطلة على الميدان فقد أنشأت عام 1930 وهي بالغة الجمال والقبة تعلوها قبة صغيرة رمزاً لاسم القصر.

قصر القبة.. متحف الأعاجيب والأسرار!

                                        وزراء وقطط!
ويقول المؤرخ الدكتور محمود الجوهري إن قصر القبة يأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية التاريخية بين قصور مصر، ولكن حكام أسرة محمد على كان يفضلون القبة عن عابدين لأن الأول كان بعيداً عن زمام وسط القاهرة، ولم يكن عرضه لنظرات الفضوليين والصحافيين نظراً لسوره الهائل الارتفاع والذي أمر ببنائه الملك فاروق عام 1942، حتى لا يكون داخل القصر مكشوفاً للبيوت المجاورة.
وتتكون مكتبة قصر القبة من 27 غرفة تضم نحو 150 ألف مجلد من الكتب النادرة، معظمها مهدى إلى الملك فؤاد ونجله فاروق، وأهم ما في هذه المكتبة هو حجرة المصاحف التي تضم مجموعة كبيرة من المصاحف هى آية في دقة الصنع والإبداع، فهي مغلفة بإطارات من الخشب المطعم بالصدف ومكتوبة بماء الذهب، وبعضها مخطوط يعود تاريخه إلى القرون الوسطي.
وتحتوى المكتبة على قسم خاص بالكتب التاريخية والمخطوطات، ومنها مخطوط محاكمة سليمان الحلبى قاتل الجنرال كليبر خليفة نابليون في مصر، وأوراق المحاكمة مدونة بالعربية والتركية والفرنسية، فضلاً عن مخطوطات بخط يد روبسبير وميرابو وسواهما من زعماء الثورة الفرنسية، وعدد كبير من الخرائط خاصة بالأمير عمر طوسون الذى كان أكثر أمراء مصر ثقافة، وهناك دولاب سحرى في غرفة المكتبة لا يفتح إلا بعد ضبط ساعة تعلوه على تاريخ زيارة الملك عبد العزيز آل سعود إلى مصر.
ومن أطرف محتويات غرفة الفنون في المكتبة كراسات خاصة بالملك فاروق عندما كان طالباً في المرحلة الإبتدائية، وعلى هذه الكراسات تعليقات طريفة كتبها أساتذة ومدرسى فاروق الطفل، ومنها تعليق شهير كتبه أحمد يوسف مدرس التاريخ لفاروق وهو "من المؤسف ألا تعرف تاريخ أجدادك" أما أكثر التعليقات ظرفاً فهو ما كتبه فاروق بنفسه على كراسة اللغة العربية قائلاً: "أبى عنده كثير من الوزراء.. وأنا عندى كثير من القطط"!
عصا تطلق النار
وبعد ساعات قليلة من خروج فاروق من مصر إلى إيطاليا يوم 26 يوليو 1952، هجم على قصر القبة جيش من محررى الصحف ووكالات الأنباء العربية والأجنبية، كان مهمتهم وصف حياة فاروق الخاصة وهواياته الغريبة في هذا القصر البديع، وكان أول تعليق لمراسل صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في القاهرة وقتها أن "القصر متحف أعاجيب جمعها فاروق وأجداده من كل حدب وصوب، وعندما تمشى وسط هذه الأعاجيب تشعر كأنك في قصر مسحور".
وكان فاروق يفضل الإقامة في قصر القبة عن غيره من القصور الملكية ويعتبره بمثابة بيته الخاص الذى يضم مقتنياته وتذكاراته وأشياءه الحميمة كإنسان وليس كملك ومن ذلك عصا صغيرة تبدو مسالمة المظهر، ولكن إذا تفحصتها جيداً فسوف تدرك أنها مسدس متقن الصنع، يطلق طلقة واحدة توضع في منتصف العصا تقريباً، ويقال إن فاروق كان يحلوله أحياناً ترويع بعض أصدقائه بأن يطلق النار من العصا على نحو مفاجئ ثم يضحك بشدة!
ومن أغرب ما يحتويه القصر مجموعة من "علب الثقاب" التى كان فاروق مولعاً بجمعها، وقد تم وضعها في ألبومات خاصة عددها 22 ألبوماً موضوعة دولاب مخصص لها، وهناك النقود التاريخية التى كانت هواية الملك المحببة، ومنها نقود وعملات نادرة من الذهب الخالص تعود إلى عهد القياصرة الروس، فضلاً عن قطع نقدية صينية ويابانية وأمريكية، وبلغ من فرط عشق فاروق لهذه الهواية أن أمر صناع "الفازات" في القصر أن يغطوها بالقطع النقدية التى تستحق أن توضع في متحف خاص بها.
البدر في ليلة القدر!
ومن أجمل حجرات قصر القبة تلك الحجرة المسماة الصالون الأبيض، والتى تحتوى على مجموعة رائعة من التماثيل لكبار الفنانين ومنهم محمود مختار وأدهم وانلى، وكانت تقام في هذا الصالون حفلات الشاى الملكية المحدودة العدد، وفيها غنت أم كلثوم لأول مرة أغنيتها الشهيرة "الليلة عيد" قبل أن تغنيها على المسرح، وكان الملك فاروق يستزيد أم كلثوم وهى تغنى "إحنا معانا بدر" وهو يقصد بذلك الأميرة فاطمة طوسون أرملة عمر طوسون، التى خطبها فاروق لفترة قصيرة لكن سرعان ما فسخت الخطبة برغبة الطرفين!
ويمكن الخروج من الصالون الأبيض عبر ممر طويل إلى قاعة العرش، وهى عبارة عن ميدان فسيح من الباركية في صدارته مقعد أوصى الخديوى إسماعيل ببنائه كالقبة المشيدة، وعن يمينه ويساره مجموعة من المقاعد الصغيرة، والقاعة عربية الطراز من الداخل وجدرانها وسقفها الشاهق من الخشب المذهب، ومنه ننزل ثريا ضخمة من النجف عليها خاتم "فؤاد الأول" والد فاروق، الذى أوصى بصناعتها في "بوهيميا" خصيصاً لقاعة العرش، وهى تعد تحفة فنية يدوية قل أن يوجد لها نظير في أيامنا الحالية.

قصر القبة.. متحف الأعاجيب والأسرار!

حديقة الأفكار
أما حديقة القصر فهى مقسمة إلى قسمين، القسم الخارجى وتبلغ مساحته نحو 120 فداناً مزروعة بأشجار الفاكهة والموالح المثمرة، والقسم الداخلى من الحديقة مساحته حوالى 60 فداناً وفيه أشجار عملاقة يزيد عمرها عن 100 عام، فضلاً عن شتلات الزهور التى كانت تستجلب من هولندا إلى الحديقة مباشرة، بناء على رغبة الملكة فريدة التى كانت مولعة بالورد والزهور.
وكان الرئيس الراحل أنور السادات مغرماً بحديقة قصر القبة، وحريصاً على التجول فيها مع زوار مصر الكبار، ويقال إن الرئيس السادات إتخذ قراره بتجديد "ساعة الصفر" في حرب أكتوبر 1973 في هذه الحديقة، وعندما حضر الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر إلى مصر عام 1979 كان على رأس برنامج زيارته مشاهدة حديقة قصر القبة، التى قال كارتر إنه قرأ عنها في صباه وكانت إحدى أمنيات حياته أن يشاهدها عن قرب.
ومن طريف ما يحكى أن الزعيم السوفيتى "خرشوف" طلب أيضاً مشاهدة حديقة القصر عند زيارته إلى مصر، وكان تعليقه أنه لو عاش زعماء الشيوعيين في هذه الحديقة أسبوعاً واحداً في شبابهم لما فكروا أبداً في تغيير العالم!

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *