جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

أسرةتنمية بشريةمال وأعمال

العمل الخيري.. نحو مجتمع متضامن في مواجهة الفقر

العمل الخيري.. نحو مجتمع متضامن في مواجهة الفقر

العمل الخيري.. نحو مجتمع متضامن في مواجهة الفقر 


العمل الخيري سلوك لا ينمو سوى في المجتمعات التي تنعم بمستويات متقدمة من الثقافة والوعي والمسئولية

يُعرّف الخبراء العمل الخيري بأنه "النفع المادي أو المعنوي الذي يقدمه الإنسان لغيره من الناس من دون أن يأخذ عنه مقابلاً مادياً, ولكن ليحقق هدفاً معنوياً خاصاً، أكبر من مجرد المقابل المادي، في سبيل إسعاد غيره من أفرد المجتمع أو سواهم من بني البشر عامة، والتخفيف من معاناتهم".
ويكتسب مفهوم "العمل الخيري" أهمية بارزة في السياق الفكري الاجتماعي عموماً, بصفته عملا خالياً من الربح والعائد، حيث يعمد المتطوع أو المتبرع في مضمار الخير العام إلى تقديم "الإيثارية" على الأنانية، والبذل على الكسب، في معالجة المشكلات الحياتية للجماعات الاجتماعية المختلفة، فما يقوم به الأفراد ويبذلونه من وقت ومال وجهد لصالح المجتمع في شتى ميادين العمل الخيري، هو سعى خاص لوجه الله ولخدمة الإنسانية.
قيمة إنسانية.. وسلوك حضاري
يمثّل العمل الخيري قيمة إنسانية كبرى قوامها العطاء والبذل بكل أشكاله، فهو سلوك حضاري حي لا يمكنه النمو سوى في المجتمعات التي تنعم بمستويات متقدمة من الثقافة والوعي والمسئولية، حيث يلعب دورا مهما وإيجابيا في تطوير المجتمعات وتنميتها، فمن خلال المؤسسات التطوعية الخيرية تُتاح لكافة الأفراد الفرصة للمساهمة في عمليات البناء الاجتماعي والاقتصادي اللازمة، كما يساعد هذا على تنمية الإحساس بالمسئولية لدى المشاركين ويُشعرهم بقدرتهم على العطاء.
ولقد قام العمل الخيري بلعب دور كبير في وتعزيز الروابط بين جميع أفراد وفئات المجتمع بصفته عملا خاليا من الربح العائد وليس مهنة، بل هو عمل يقوم به الأفراد لصالح المجتمع ككل يأخذ أشكالاً متعددة بدءاً من المساعدة الذاتية إلى التجاوب الاجتماعي في أوقات الشدة ومجهودات الإغاثة إلى حل النزاعات وتخفيف آثار الفقر ويشتمل المفهوم على المجهودات التطوعية المحلية والقومية وأيضاً تلك التي توجه إلى خارج الحدود.

المتطوع أو المتبرع في مضمار الخير العام يعمد إلى تقديم "الإيثارية" 
على الأنانية.. والبذل على الكسب

وثمة علاقة جدلية بين التنمية ومدى نجاحها في المجتمع والعمل الخيري، حيث تشير الشواهد الواقعية والتاريخية إلى أن التنمية تنبع من الإنسان الذي يعد وسيلتها الأساسية، كما أنها تهدف في الوقت ذاته إلى الارتقاء به في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية، ومن المسلمات أن التنمية تقوم على الجهد البشري وهو ما يستلزم بالإضافة إلى الخطط الواضحة والمحددة وجود الإنسان الواعي القادر على المشاركة في عمليات التنمية.
وتعمل المؤسسات الخيرية بالتعاون مع نظيرتها الرسمية، لكي تؤدي دوراً مجتمعياً مهماً وأساسياً في تحديد الأولويات والتحديات في المشاريع التنموية، لما تتمتع به هذه المنظمات التطوعية من خصوصية، تتمثل في علاقتها بالفئات المستهدفة وقربها بل واندماجها في بعض الأحيان مع تلك الفئات، وتتيح تلك العلاقة رؤية أوضح وأعمق لاحتياجيه الملحة وللمشاكل والمعوقات التي يمكن أن تواجه المشاريع الاجتماعية، ويمكنها نقل صورة أكثر وضوحا ومصداقية إلى الجهات المعنية بصنع القرار.
تحقيق "السلم الأهلي"
للعمل الخيري مجموعة من المقاصد الاجتماعية, فهو يعمل على تعزيز حالة السلم الأهلي بين فئات المجتمع المختلفة بصور متعددة، من أهمها أن حصيلة المبادرات الخيرية تشكّل شبكة من العلاقات التعاونية، وتدعم روح الأخوة والتراحم والتعاطف.
كما يسهم العمل الخيري في تحقيق مقصد "السلم الأهلي" من خلال المسارعة إلى إزالة نقاط التوتر من المجتمع، ودفع الحراك المجتمعي. فنجد أن العمل الخيري يسهم في هذا الأمر بشكل مباشر؛ وذلك في أوقات الأزمات التي قد يتعرض لها المجتمع، أو عند وقوع الكوارث والأوبئة التي قد تصيب فئة أو أكثر من فئات المجتمع. وهنا تظهر أهمية الأعمال الخيرية الإغاثية التي تقدم المساعدات العاجلة من كساء وغذاء ومأوى وإسعافات أولية وما شابه ذلك.
أما أثر العمل الخيري في دفع الحراك الاجتماعي، فيتجلى بشكل واضح في "نظام الوقف". وقد كشفت التجربة الحضارية الإسلامية عن أنه كلما زاد العمل الخيري وتشعبت موارده وتعددت مؤسساته والخدمات العامة التي توفرها، قل نطاق الاستبعاد الاجتماعي لبعض الفئات بسبب الفقر أو العجز، وتراجعت بالتالي فرص النـزاعات الأهلية والانقسامات المناطقية، وتعزز الاستقرار، وتهيأت فرص الإبداع والابتكار.
ومن مقاصد العمل الخيري أيضاً "محاربة الفقر" بمختلف صوره، وهذا المقصد يعد أحد الأساليب الاجتماعية التي تهدف إلى القضاء على العوز، وإخراج من يدخل في دائرته، ومن ثم إعادة إدماجه في دورة العمل والإنتاج؛ كي يصبح معتمِداً على ذاته، مسهماً في بناء مجتمعه وفي مساعدة غيره، خاصة أن آفة الفقر ترافقها آفات أخرى كثيرة مثل تفشى البطالة والجريمة والجهل والمرض. وهي آفات ذات آثار سلبية، تدمر قدرات المجتمع، وتعوقه عن النمو والازدهار.
وبفضل تراكم الخبرات الاجتماعية في ممارسة العمل الخيري، تبلورت وسائل لتنظيم إسهام العمل الخيري في محاربة الفقر، واختصت كل وسيلة بشريحة أو أكثر من شرائح الفقراء، مثل المساعدات المادية التي تقدم لهم موسمياً، وخاصة في الأعياد والمناسبات الدينية، أو في أوقات حاجتهم إليها, فضلا عن المساعدات العينية التي تشمل: الطعام، والماء، والكساء، وبعض أدوات الإنتاج البسيطة، والدواء، والمأوى أحيانا، وتلك المساهمات التي يقوم بها "فاعلو الخير" من أجل دعم أو تمويل أو إنشاء مؤسسات تقدم خدمات عامة مثل المساجد والمدارس والمستشفيات وعيادات العلاج المجاني ودُور الرعاية الاجتماعية التي تقدم خدماتها للأيتام والعجزة والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة.

التجربة الإسلامية كشفت عن أنه كلما زاد العمل الخيري قلّ نطاق 
"الاستبعاد الاجتماعي" لبعض الفئات 
ومن مقاصد العمل الخيري كذلك مقصد "التمدين وعمارة الأرض"، حيث يسهم هذا العمل في تحقيق درجة أرقى من التمدن الإنساني، ورفع كفاءة المجتمعات في إعمار الأرض، ويأخذ إسهامه في تمدين المجتمعات مظاهر متعددة: منها ما هو مادي في شكل تبرعات ومساعدات تعين غير القادرين على تحسين مستوى معيشتهم، ولا تتركهم نهباً للمرض أو للجهل أو للفاقة والعجز، ومنها ما هو غير مادي في شكل مساهمات معرفية وعلمية تهدف إلى توعية المجتمع ورفع قدرات أبنائه بصفة عامة.
إن أغلبية صور الأعمال الخيرية التي ساهمت في "تمدين" المجتمعات الإسلامية، وفي بناء حضارتها الشامخة، قد تجلت في "نظام الوقف" في معظم مراحل تاريخ هذه المجتمعات. فمن خلال الأوقاف وبتمويل منها نشأت أغلبية مؤسسات العلم والثقافة؛ داخل المساجد وخارجها في صورة مدارس ومعاهد، وكليات جامعية للمتخصصين، ودروس ومكتبات عامة.
ولا شك أن العمل الخيري هو ركن أصيل في بناء المجتمع وفي تمدينه وبناء تقدمه العلمي والمعرفي، وقد أثبتت التجربة التاريخية أن تطبيقاته تشمل مختلف مجالات الحياة، بما في ذلك الأعمال الإغاثية والأعمال التنموية، وأنشطة التأهيل والتمكين، والدفاع عن الحقوق، وتحصيل الحقوق الأساسية، والدفاع عنها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *