جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

اتيكيت

هل أصبحت حياتنا اليومية خالية من.. الذوق؟!

هل أصبحت حياتنا اليومية خالية من.. الذوق؟!


هل أصبحت حياتنا اليومية خالية من.. الذوق؟!


يقول الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور فى إحدى قصائده: يا صاحبى.. "زّوق" حديثك فكل شئ قد خلا من كل ذوق!
وفى مسرحية "سيدتى الجميلة" المأخوذة عن "بيجماليون" للكاتب الإنجليزى الساخر برنارد شو، يصنع البطل من البطلة شخصية أخرى، عندما يعلمها فنون الذوق و"الإتيكيت" ويجعلها بعد "الردح" تتحدث على طريقة.. إين ترعرعت سيدتى!
والسؤال هو: هل غابت مفاهيم الذوق وأصوله عن حياتنا اليومية، أم أن عصر السرعة الذى نعيشه لم يعد يترك مجالاتً لكلمات مثل "من فضلك" أو "لو سمحت" وسواها من الكلمات الطيبة التى اعتبرها ديننا الإسلامي "صدقة"؟
وما الذى أوصلنا إلى هذا الحد؟!
ثمة رأى يقول أصحابه أن ما يحكم سلوكنا هو مرحلة الطفولة، وما نتلقاه فيها من سلوكيات جيدة، فلو أن كل منا اهتم بأن يعلم أطفاله "فن التعامل" مع الآخرين، وكيف يختارون مفرداتهم قبل النطق بها، وكيف يحافظون على مشاعر الآخرين، كل هذه أشياء يجب أن نضعها أمام أعيننا ونحن نتعامل مع أطفالنا، حتى يتعلموها فى مقتبل حياتهم، ومن شب على شئ شاب عليه.
لقد اختفت كلمات المجاملة من حياتنا، لأننا باختصار لم نعد نملك وقتاً للمجاملات فقد أصبحنا عمليين بشكل أكثر حتى أننا أتينا بكلمات تغنى عن جمل كاملة اختصارا للوقت فأصبحنا مثلاً بدلاً من أن نقول "لا تشغل بالك" أصبحنا نقول "كبر دماغك"!
ومن باب أولى فقد أصبحنا لا ننطق بكلمات من الممكن الاستغناء عنها وهى –للأسف- كلمات المجاملة، ففى الماضى على سبيل المثال كانت الناس تهتم بتعليم قواعد "الإتيكيت" أما اليوم فلا أحد يهتم بشئ سوى الوصول إلى ما يريد بأقصر الطرق، وهذا هو السبب فى العديد من مشاكلنا ولذلك أقترح أن يكون هناك مادة لتدريس "فن الإتيكيت" فى المدارس، حتى نعلم أطفالنا كيف يتحدثون، وكيف يتعاملون مع الآخرين.
وللأسف إننا دائماً نجرح من نحب فتجدنا نتعامل مع آبائنا وزوجاتنا وأولادنا بأسلوب جاف يخلو –كما نقول- من أى جماليات، أسلوب "أفعل ولا تفعل" وكفى، ولكننا فى أماكن عملنا مثلاً نتحدث مع المدير بكل ذوق فنقول "حضرتك" و"يا فندم" "لو تكرمت" كل هذه الكلمات نقولها للمدير وللعميل فى أماكن العمل ونحرم منها أعز وأقرب الناس إلينا!

ثقافة "التيك أواى"
يقول د.ابراهيم عيد – أستاذ الطب النفسى- فى تقديرى أن ثقافة "التيك أواى" تسيطر على كل أفعالنا حتى أصاب الجفاف حياتنا، وأصابت الحدة سلوكنا، وحتى فى الحب والمشاعر الدافئة مثلاً، لم يعد المحب يسهر لينظم أبيات الشعر فى محبوبته لأنه إذا فعل فهى نفسها سوف تسخر منه، فالحياة اختلفت لينسحب ذلك على حديثنا فقد أصبحت كلماتنا سريعة مختصرة ومقتضبة، فأنا عندما أتحدث مع أولادى لا أكاد أفهم شيئاً من سرعة خروج الألفاظ من أفواههم، وفى جو كهذا أصبحت كلمات المديح لا وجود لها، ففى الماضى كان من الممكن أن ترى صديقك فتقول له "وشك منور النهارده".. جملة بسيطة ولكنها ودودة، توضح اهتمامك به، وتعطيه ثقة فى نفسه وفى حالته الصحيحة، وقد تتسبب فى إسعاده طوال النهار، ولذلك فأنا أرى أن اختفاء كلمات المديح من حياتنا أمر ليس بسيط، لأن له دلاله عميقة وهى أن اهتمامنا بالآخر يكاد يكون انعدام، فما أقسى الحياة التى لا يهتم فيها أحد بأحد، وما أقسى الحياة عندما لا نفكر سوى فى أنفسنا، ونطلق كلماتنا لا يهمنا من ستصيب فقط لا نهتم سوى بالحصول على ما نريده فقط من الآخرين!

 

الكلمة الطيبة صدقة

لقد حسم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم القضية حينما قال "تبسمك فى وجه أخيك صدقة" وقال أيضاً.. "الكلمة الطيبة صدقة" وروى عن عبد الله بن بشر رضى الله عنه أنه قال: كان رسول صلى الله عليه وسلم: إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم .. السلام عليكم".
وروى –أبو دواد بإسناده –عن ربعى قال: أتى رجل من بنى عامر استأذن على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو فى بيته فقال: أألج ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم لخادمه: "أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبى صلى الله عليه وسلم فدخل".
هذا هو الدين الإسلامى الذى يدعو إلى كل ما هو راقٍ وجميل، والذى يحاول دائماً الارتقاء بمشاعرنا وأفعالنا، فلو أننا جميعاً علمنا أن الكلمة الطيبة التى نقولها للآخرين لها جزاء فى الدنيا والآخرة لتمسكنا بها فى كل تعاملاتنا اليومية، لأن هذه الكلمة الطيبة والمعاملة، الحسنة، كانت –ومازالت- من أهم أسباب انتشار الإسلام فى كل بقاع الدنيا.

أسموه اتيكيت

حث الإسلام على تأديب الفرد المسلم منذ نعومة أظافره على التزام آداب اجتماعية فاضلة، وأصول نفسية نبيلة تنبع من العقيدة الإسلامية الخالدة والشعور الإيمانى العميق ليظهر الفرد فى المجتمع على خير ما يظهر به من حسن التعامل والآداب والاتزان والعقل الناضج والتصرف الحكيم وهذا ما أخذه الغربيون وأسموه "الإتيكيت" أو فن المعاملة الآخرين.
ولاشك أن هذا الفن أو هذه التربية هى حصيلة كل تربية أكانت إيمانية أم خلقية أم نفسية، لكونها الظاهرة السلوكية والوجدانية التى تربى الفرد على أداء الحقوق والتزام الآداب والرقابة الاجتماعية والاتزان العقلى وحسن السياسة والتعامل مع الآخرين.
ولذلك قالوا: والله ما فاز من فاز إلا بحسن الأدب، وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب لذا فعلى الفرد المسلم المتميز فى عقيدته وشعائره وأفكاره ومشاعره وأخلاقه، عليه أن يتميز كذلك بآدابه وتقاليده الخاصة المصبوغة بصبغة الإسلام.
إن هذه التقاليد والآداب والعلاقات الاجتماعية تحقق للفرد المسلم شخصية متميزة الملامح واضحة التقاسيم وتمسكه أن يذوب وينصهر فى عادات وتقاليد منافية لدينا لا تميز بين ما يجوز وما لا يجوز وما يصلح وما لا يصلح.
وما أروع أن يعرف المسلم أصول التعامل واللقاء المستمدة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكم يحظى بالاحترام ويكون محل تقدير وإجلال حينما يطبق هذه الآداب عملياً، ويظهر فيها اجتماعياً ويحققها سلوكياً.
وكم تبلغ قمة المثل والأخلاق حينما يعرف المسلم الآداب فى طعامه وشرابه، وفى سلامه واستئذانه، وفى مجالسته وحديثه، وفى طرائفه ومزاحه، وفى تهنئته وتعزيته، وحتى فى عطاسه وتثاؤبه!!
وهى آداب وعلاقات اجتماعية فرضها وأوجبها الإسلام على الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والحاكم والمحكوم، والأمير والسوقة، والعالم والعامى.
وحيث إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها، فما على المربين اليوم إلا أن يشحذوا همهم، ويجملوا قواهم ويطلقوا نشاطهم وعزائمهم فى تربية الجيل المسلم الناشئ على هذه الآداب الاجتماعية الفاضلة ونربي عليها الأبناء والبنات بكل عزم وهمة لأن الهدم فى عصرنا صار بالألغام لا بالمعاول.
وإذا كان الشاعر يقول:
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه         إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟
فإن البناء الربانى ما خالطه الإخلاص بناء يستعصى على الهدم، بناء الكلمة الطيبة فيه أصلها ثابت وفرعها فى السماء.
ومهمة التربية الإسلامية اليوم هى إيجاد إنسان الاستخلاف، وهو الفرد المسلم الصادق الذى تتمثل فيه صورة الإسلام المضيئة المشرقة، فيراها الناس فيرون الإسلام، ويتعاملون معها فيزدادون إيماناً بمنحه وإقبالاً عليه.
وهذا ما فعله النبي صل الله عليه وسلم فى صدر الدعوة، إذ كانت أولى خطواته فى طريق الإسلام الطويل أن يصنع رجالاً تجسد فيهم الإسلام فإذا هم مصاحف تمشى على الأرض انتشروا فى إنحاء الدنيا فرأى الناس فيهم نماذج فريدة من البشر يمثلون منهجاً فريداً أيضاً فلما رأوا المنهج الفريد مجسداً فى الفرد المؤمن الصادق أقبلوا يدخلون فى دين الله أفواجاً.

النموذج الفريد

والإنسانية اليوم، فى أمس الحاجة إلى صنع هذا النموذج الفريد من البشر الذى لا تطيب الحياة إلا به، ولا تسود القيم الإنسانية إلا بوجوده، ولا تنجلى حقيقة الإسلام إلا من خلاله بتصرفاته وأفعاله.
وأنظر معى إلى هذا السلوك العالى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم روى البخارى: إنهم لما قدموا المدينة حتى آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن: إنى أكثر الأنصار مالاً فأقسم مالى نصفين ولى امرأتان، فأنظر أعجبهما إليك فسمها لى أطلقها، فإذا إنقضت عدتها فتزوجها قال عبد الرحمن: بارك الله لك فى أهلك ومالك.. أين سوقكم؟
وإعجاب المرء بسماحة "سعد" لا يعدله إلا إعجابه بنبل عبد الرحمن، إيثار نادر قل أن تعرف الدنيا له نظيراً، يقابله تعفف كريم نبيل، فرصة سهلة جاءت على طبق من ذهب للزواج والثراء لا تعب ولا نصب فلم ينتهزها.
ولكن العجيب اليوم أن نرى مفهوم العشم والحب فى الله تعالى عند البعض قد تجاوز العرف والعقل والمنطق.
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *