د. عبدالعزيز المقالح: احترام هويتنا القومية ملاذنا الأخير في مواجهة العولمة

·      الساحة الثقافية تعاني من الركود رغم وجود بعض الأضواء الباعثة على الأمل

 ·       بعض كتّاب قصيدة النثر جهلاء بقواعد اللغة  وبمعنى الشعر وذائقته

 ·       امتنعت عن ركوب الطائرات منذ ربع قرن، لأن مشهد السحاب يشعرني بأن اللغة تعجز عن محاكاة هذا الجمال

·       منتدى المثقف العربي يمكنه أن يمثل جسرأ ثقافياً بين سائر الأقطار العربية




د. عبدالعزيز المقالح: (احترام هويتنا القومية ملاذنا الأخير في مواجهة العولمة)


حوار / عبد السلام عثمان

الدكتور عبد العزيز المقالح واحد من أهم المثقفين والمبدعين العرب في جيل الرواد... حمل مشروعه الأدبي خلال حقبة الستينات نواة لتيار أدبي مغاير على الساحة الثقافية والأدبية في اليمن واستطاع من خلال نتاجه الشعري والنقدي أن يقود حركة ثقافية فاعلة في جنوب الوطن العربي، أحد رؤوس مثلث التغيير في الحركة الشعرية العربية والتي كان رأساها في العراق بدر شاكر السياب وفي مصر صلاح عبد الصبور.


تولى الدكتور عبدالعزيز المقالح العديد من المناصب في اليمن أشهرها رئيس جامعة صنعاء ثم المستشار الثقافي لرئيس الجمهورية، وهو المنصب الذي يشغله حالياً بالإضافة إلى رئاسته لمركز الدراسات والبحوث اليمني.

عندما التقت به المثقف العربي في صنعاء كان لابد أن نحمل إليه من التساؤلات حول العديد من القضايا الثقافية والأدبية التي تشغل ذهن المواطن العربي وربما ارتأينا أن نبدأ بهذا السؤال:

 

س: كيف تقيمون موقف الثقافة العربية من العولمة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون؟

ج: حتى الآن لم يتبلور موقف ثقافي عربي مشترك لمواجهة هذه الهجمة المسماة بالعولمة، ويقيني أن الثقافة العربية قادرة في كل الأحول على التحدي والمواجهة بما تمتلكها من ثراء تاريخي وما حققته في العصر الحديث من إنجازات هائلة بالقياس إلى الثقافات المعاصرة الأخرى لاسيما في مجال الإبداع الشعري والروائي وفي الموسيقى والفنون التشكيلية.. إلخ، وربما كانت العولمة في وجهها الثقافي أكبر حافز للعرب لكي يتجمعوا ويتناسوا قطريتهم ومؤثرات التجزئة العابرة فالثقافة هي الهوية الأولى، ولا يعني هذا تشجيع الموقف الانعزالي عن الثقافات الأخرى أو دفن الرؤوس في الرمال إذ لابد من القول بحوار الثقافات العربية وتعاون الثقافات وقد كانت الثقافة العربية واسطة العقد بين ثقافة الشرق القديمة والغرب القديم ولم تشعر بأدنى حساسية تجاه تلك الثقافات، ولا يمكن أن يكون موقفها اليوم مختلفاً عن موقفها بالأمس.

 

د. عبدالعزيز المقالح: (احترام هويتنا القومية ملاذنا الأخير في مواجهة العولمة)

س: بين مصطلحي (حوار الحضارات) و(صدام الحضارات) كيف تستشرقون مستقبل الثقافة العربية؟

ج: سأترك قضية حوار الحضارات وصدام الحضارات جانباً لأن الحضارات- إن وجدت لاتتصادم فهي تمثل أقصى ما يصل إليه الإنسان من الارتقاء الروحي والفكري والعقلي والصراع هو بين المصالح لا بين الحضارات فضلا عن أن الحضارات واحدة شاركت البشرية كلها في صنعها، وكان صانع الأواني الفخارية أو مهندسوها أول من أسهم في صناعة حضارة التلفاز والطائرة والإشكالية الصراعية تتجلى في وضع الثقافات ومستقبل الثقافة العربية يتوقف على القبول بالحوار الثقافي ومواجهة كل محاولة لاقتلاع ثقافات الشعوب واستبدالها بثقافة الآخر المهيمن والطاغي، وربما نجح الصراع الثقافي في سحق ثقافات الأمم الضعيفة تلك التي بلا تاريخ ولا تراث.


س: يرى الكثير من المفكرين أن المثقف العربي اليوم يعيش فترة ضياع بين ماض منبت الصلة به، وحاضر طغت فيه ثقافة الآخر.. ما هو طريق الخروج من هذه الإشكالية؟

ج: التعميم قاس وخاطئ ويتنافى مع الموضوعية لذلك يمكن القول أن طرفاً من المثقفين العرب يعيش هذه الحالة التي يشير إليها السؤال وأطرافاً منهم تعي أهمية الصلة العميقة والوثيقة بماضيها وبحاضرها معا، وهذه الغالبية تدرك أنه لا تناقض على الإطلاق بين الجذور والفروع ولا طريق للخروج من الوقوع في حالة الضياع سوى الثقة بالنفس والثقة بالهوية القومية والنماذج أمامنا كثير للأمم كاليابان مثلا، هذه الأمة التي يعيش أبنائها.

العصر بكل منجزاته ومع ذلك يحافظون على موروثهم الثقافي ولا يلغون الماضي أو يديرون له ظهورهم.

 

س: باعتباركم من جيل الرواد.. كيف تقيمون المواهب الشابة، وهل لا نزال نمتلك إبداعاً حقيقياً؟

ج: طبيعة الحياة وقوانين التطور تؤكد أن لكل جيل إمكاناته وإضافاته، والمواهب الشابة في بلادنا كما في بقية الأقطار العربية تمتلك إبداعية هائلة قد تكون أحيانا ثائرة على السائد الأدبي ومتصادمة معه لكنها تحلم بتجاوزه والإضافة إليه كما أن بعض هذه المواهب ضعيفة التكوين ولا تهتم باللغة ولا تعرف الكثير عن قواعد النحو والصرف، وهذه مشكلتها الأساسية وحين تجيد لغتها وتمتلك القدرات والأدوات اللازمة فإنها قد تتفوق على جيل الرواد.

 

س: منتدى المثقف العربي تجربة ثقافية يمنية تجاوزت المحلية إلى القومية تقييميكم لهذه التجربة، وكيف يمكنها أن تستمر، وأن تسهم في إيجاد مشترك ثقافي عربي؟

ج: أتابع باهتمام وإعجاب دور المنتدى سواء طريق مجلته أو عن طريق الإصدارات المتلاحقة، وفي إمكانية المنتدى أن يشكل جسراً متيناً لا بين بلادنا ومصر العربية وحسب، بل بين بلادنا وعدد من الأقطار العربية نظراً لكون مصر قلب الأمة العربية وملتقى كل المبدعين من مشرق الوطن العربي ومغربه.. ولكي يواصل المنتدى تجربته الثقافية الرائدة لابد له من دعم مادي ومعنوي من قبل وزارة الثقافة ومن المهتمين بالإبداع.

 

س: ماذا بعد " أبجدية الروح" وهل يعكف الدكتور المقالح على إبداع جديد؟

ج: في المكتبات الآن، (كتاب صنعاء) و(كتاب القرية) وهما كتابان شعريان صدرا بعد ديوان أبجدية الروح وربما كان في تسميتها بالكتاب ما يجعل البعض يظن أنهما دراستان عن صنعاء وعن القرية.. وفي الطريق إلى النشر (كتاب الأصدقاء) وهو لوحات شعرية ترسم بالكلمات صوراً لعدد من أصدقاء العمر في الوطن وفي عدد من الأقطار العربية.

 

س. ماذا بعد الفراغ من صخب إدارة جامعة صنعاء؟ والهدوء الذي من شأنه توفير وقت ومساحة في يومك في عملك الجديد كمستشار ثقافي لرئيس الجمهورية، هل سيكوم لهذا التفرغ النسبي أثره على حجم إنتاج د. المقالح من الإبداع؟

 

ج: أتمنى التفرغ النهائي والكامل للكتابة، فما تزال المشاغل الإدارية قائمة وإن كان حجمها أقل، وهي تشكل على الدوام حالة من الإرهاق الذهني والعصبي وتأخذ كثيراً من الوقت الذي ينبغي أن يكون مخصصاً للكتابة ومتابعة أحداث موجات الإبداع.

 

س: أشيع في الأوساط الثقافية أن الدكتور المقالح اتجه إلى منحنى جديد من حياته الفكرية وهو الاتجاه التصوفي والروحاني..فما تعليقك على ما يشاع؟

ج: هذا المنحنى ليس جديداً بالنسبة لي، النزوع الصوفي رافقني منذ الشباب ومنذ بداية محاولاتي الشعرية، والشعر عموماً مرتبط بحالة صوفية من نوع خاص، وما من شاعر إلّا وله أجواء روحية خالصة، وكلما أمتد بالشاعر العمر وزادت تجربته بلورة وصفاء كان أقرب إلى كتابة هذا النوع من الشعر القائم على المناجاة الروحية والاتكاء على مشاهير الصوفية قريباً من شطحاتهم الخيالية التي بدونها لا يستقيم عمود الشعر.. وفي عالم الصوفية شخصيات عظيمة حاولت الابتعاد عن مظاهر الحياة والزهد في ملذاتها العابرة وحققت وما تزال تحقق حضورا هائلاً في وجدان العصر.

 

د. عبدالعزيز المقالح: (احترام هويتنا القومية ملاذنا الأخير في مواجهة العولمة)

س: تعرضت قصيدة النثر لارتداد كثير من شعرائها. وأكثرهم احتراماً لها لم يعد يقاتل بضرورة على أنها بديل للشعر العمودي والشعر الحر (التفعيلة) ومنهم الدكتور المقالح فما تعليقكم؟

 

ج: من قال أن قصيدة النثر هي البديل عن الشعر، هي في أحسن أحوالها وأرقى نماذجها رافدا من الروافد الجديدة أو الأجد لشعرنا في أشكاله المتنوعة. لم تكن قصيدة النثر بديلاً عن قصيدة التفعيلة كما لم تكن قصيدة التفعيلة بديلاً عن القصيدة العمودية. والشاعر الحقيقي يكتب وليس في ذهنه شكل ما أو موقف من بقية الأشكال الشعرية. وما يهم في هذا المجال أن يكون المبدع واعياً بما يقوم وألّا يكون اختياره لشكل ما نوعا من الفرار من الصعوبات الفنية التي تلتزم بها الأشكال المكرسة. والملاحظ أن بعض المنتسبين إلى هذه النوع الأجد من الكتابة الشعرية لا يعرفون معنى الشعر، ومن خلال ما تنشره لهم الصحف يتبين أن هناك جهلاً باللغة وجهلاً بالذائقة الشعرية.

 

س: لماذا لا يقبل الدكتور المقالح السفر خارج اليمن منذ ربع قرن من الزمن حتى ولو كان لحضور احتفالية تكريمية لشخصه، هل كما يشاع خوفه من ركوب الطائرات؟ أم هناك أسباب أخرى؟

ج: الأسباب كثيرة وليس منها الخوف من ركوب الطائرة فقد سبق لي أن سافرت إلى أنحاء كثيرة من العالم قبل أن يتشكل في نفسي موقف رافض للسفر في حد ذاته لا من أية وسيلة من وسائله سواء أكانت السيارة أو الطائرة أو حتى وسائل المواصلات التقليدية، لعلي بذلك أكتفي بأن أزور العالم وأقرأه من خلال الكتاب والمجلة والتلفاز، وإذا كان للطائرة من عيب فهي أنها تقضي على كتابة الشعر، فأنت تحلق في السماء وتمر فوق السحب أو تتخللها تشعر أن الطائرة تكتب قصيدة هي الأجمل.. ولا يستطيع الإنسان كتابة مثلها، وحينئذ تركن إلى الصمت وتدرك أنك لا تقول شعراً له هذا المستوى من الجمال والخيال.

 

س: ماذا عن تاريخ الثورة اليمنية الذي لا يختلف عليه اثنان؟ ولا يهمل دور أي مشارك فيها بإنصاف؟ هل ترى الوقت قد حان لتدوينه وإخراجه؟ وما السبيل إلى ذلك؟

ج: نعم حان الوقت.. ولكن من سيكتب هذا التاريخ وأين المنصفون الذين لا يبالغون في أدوارهم ولا يقللون من أدوار الآخرين؟ وبعبارة أخرى أين المؤرخ المحايد المنصف الذي يتحدث عن هذا المتغير العظيم وعن تلك الانتقالية التاريخية الفريدة دون أن يخضع للمؤثرات علماً بأنه لا يوجد المؤرخ المحايد ولا الكتاب المحايد فكل إنسان مشدود إلى موقف.. وأصدقهم هو ذلك الذي يجمع بين حفاظه على موقفه وإيمانه بمبدأ الحقيقة وقدرته على الالتزام بالإنصاف.

 

س: الساحة الثقافية اليمنية اليوم.. تقييمكم لها؟ وما تقترحون عليها؟

ج: الساحة تعاني من الركود ووسط هذا الركود تومض بعض الأضواء الباعثة على الأمل، والمؤسف أن هذا الركود يتم في وجود هذا الكم من الصحف والأحزاب.. وكان المثقفون قبل الثورة يعتقدون أن وجود صحيفة واحدة كفيلة بأن تنعش الحياة الثقافية وتساعد على خلق حركة إبداعية منقطعة النظير، وعندما جاءت الصحف وتكاثرت سبل النشر لم يحدث التغيير المطلوب.. فقد طغى السياسي والاجتماعي على كل شيء، وتراجعت الثقافة إلى أدنى مستوى لها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* حوار نشر في مجلة المثقف العربي، الصادرة عن منتدى المثقف العربي بالقاهرة العدد (14) مارس 2002م، حاوره في صنعاء: عبدالسلام عثمان

0/تعليق

أحدث أقدم