د. ممدوح سالم يكتب: الجناة يتصدرون ولا عزاء للباكين!

 

مصر التي نعرفها هي مصر التي صدرت منذ ألوف السنين أفانين الثقافة والفقه والأدب والعلوم والفنون، ولم تزل تدفع العالمين زمرًا ووحدانًا نحو السلوك المتزن القائم على الوسطية والاعتدال المستلهم  من معين الأدب والعلم والفنون والقيم المجتمعية المرموقة الراسخة؛ تلك هي مصر، وليست تلك التي يتصدر مشهدها الإعلامي والفني نمبر وان وبيكا وشاكوش وحنجرة وكزبرة!

 

د. ممدوح سالم يكتب: الجناة يتصدرون ولا عزاء للباكين!

قال لي صديقي كم كانت السينما ومؤلفو الدراما سباقين إلى تخيل ذلك المشهد المأساوي الذي تجسد في حوار نجيب الريحاني (حمام أفندي مدرس اللغة العربية) منذ 70  سبعين سنة مضت في فيلم غزل البنات لما رأي مربي الكلب في سرايا الباشا يتقاضى 30 ثلاثين جنيها، بينما كان يتقاضى، وهو المعلم لمدة ثلاثين سنة،  3 ثلاثة جنيهات لا غير، قال بسخريته اللاذعة: (أنا لو من 30سنة بعلم كلاب كان زماني من الأعيان!)

 

كلنا يذكر فيلم (انتبهوا أيها السادة) وحوار جامع القمامة عنتر (مع كامل احترامي لهذه المهنة ومن يقوم عليها) وأستاذ الجامعة د. جلال، يقول عنتر للأستاذ الجامعي الذي أنهكه سوء الحال وجعل يبتلع الحبوب المهدئة: (أنا بربي عجول وعندي عشرين عمارة، وانت بتربي عقول ومش لاقي تاكل .. !

 

  وإن ننس لا ننسى فيلم (الكيف) الذي كتبه السناريست العبقري محمود أبو زيد، وكلنا يذكر (مزازنجي) وأغنية الكيمي كيمي كو، ويا حلو بانت لبتك... نبه يومئذ الكاتب أحمد عفيفي في مقال له إلى أن نهاية الفيلم تشير إلى رسالته التي يجب أن ننتبه إليها في ذلك الحوار الذي دار بين سواق تاكسي ومواطن ركب معه، كتب أحمد عفيفي:

( السواق مشغل كاسيت مزاجنجي الجديد اللي مكسر الدنيا (الكيمي كيمي كو) والمواطن مستغرب وقرفان من الاسم والصوت والكلمات .. يقوم سواق التاكسي يقوله: انا كنت زي حضرتك في الاول مش عجباني، بس لما ودني اخدت عليها نخششت في نافوخي وكيفتني!

 

المصيبة إذن في أننا إذا تعودنا الأشياء ألفناها، كما إذا كررنا الكذبة صدقناها حتى تصير حقيقة وواقعًا مؤلمًا.

وزارة الثقافة تقف عاجزة أمام هذا الطوفان من الغث الذي تفرزه مهارج السجادة الحمراء!

 

وزارتا التعليم والتعليم العالي بلا حول ولا قوة أمام تطهير عقول امتلأت عفنًا من غزو الشارع والميديا ومارك وأعوانه!

 

الإعلام بلا قيّم عليه، وتلك هي برامج التوك شو تتسابق ما بين (الحكاية ويحدث في مصر) في تصدير سوسته وعمر كمال وبيكا، ولا يقدمون أنموذجًا واحدًا ينفع الناس علمًا وأدبًا وفنًا!

 

هاني شاكر ونقابته في وادٍ غير ذي أثر في ظل تحديات مهرجانات ساويرس والخليج العربي وإهداءات الأمراء والأثرياء لشاكوش وبيكا، فضلا عن أموال رمضان وممتلكاته السيارة التي تملأ البر والبحر والجو!

 

على أية حال لم يعد الأمر مستغربًا، فمنذ ألف عام أنشد أبو العلاء المعري في لاميته (ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل؟!):

 

إذا وَصَفَ الطائيَّ بالبُخْلِ مادِرٌ

وعَيّرَ قُسّاًً بالفَهاهةِ باقِل

وقال السُّهى للشمس أنْتِ خَفِيّةٌ

وقال الدّجى يا صُبْحُ لونُكَ حائل

وطاوَلَتِ الأرضُ السّماءَ سَفاهَةً

وفاخَرَتِ الشُّهْبُ الحَصَى والجَنادل

فيا موْتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ

ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهرَكِ هازِل

...

يا لضبابية المشهد!

#والسؤال_مَن_الجناة_هُمٔ_أم_نحنُ؟!

#ود_سالم

0/تعليق

أحدث أقدم