أدباء خرجوا من المعطف الأبيض

أدباء خرجوا من المعطف الأبيض



أطباء شعراء


الطب، علاج الجسم والنفس، والسحر والرفق، والإرادة والعادة. وبالفتح يجيء أيضاً بمعنى الماهر الحاذق، ولهذا فليس شيئاً عظيماً أن يتمازج الفنان: الأدب العربي والطب العربي.

والأدب منبر الحياة الحر والمعبر عنها، لأن بينهما (الأدب والحياة) علاقة واضحة كل الوضوح، فارتباط كل واحد منها بالآخر حتمي، وذلك لارتباطهما بالكيان الإنساني. وصلة الحياة بالأدب نابعة من مدى إسهامه في حل مشكلات المجتمع لبناء حياة أفضل وأكثر صلاحاً، وبذا يكون تأثير الأدب بقدر ما فيه إفادة للناس وبقدر تفاعله مع الأحداث في الحياة الخاصة والعامة، فالأدب وإن كان وعاء للفن والشاعرية فهو موطن للفكر وبوتقة تنصهر فيها التجارب الإنسانية وينبثق منها الإبداع الفكري الراعي إلى الحياة الفضلى.
والمعطف المقصود بالعنوان هو المعطف الأبيض الذي يرمز لمهنة الطب، التي لم يكتفِ ممارسوها بمداواة المرضى، بل إن فريقاً منهم تجاوز ذلك الأمر ليمسك بالقلم بدلاً من المشرط الجراحي، وليخطّ سطوراً من الإبداع الأدبي بدلاً من أن يكتب وصفة الدواء لمرضاه.

الطبيب ودوافعه في ممارسة الأدب


إن مهنة الطب عندما تهيئ للأطباء أن يروا الطبيعة الإنسانية في حالات المرض وهي عارية من كل الأقنعة التي يكسوها بها الشباب أو المال أو الصحة أو السلطة؛ إنما تمدهم بذخيرة ثمينة من التجارب أو الاكتشافات التي لا يتيسر لسواهم أن يعرفوها. وهكذا يجد الطبيب نفسه في داخل الحدود التي يفرضها عليه سر المهنة مدفوعاً إلى نقل جزء من خبراته وتجاربه الكثيرة إلى أولئك الذين قد يجدون فيها بعض المتعة أو الفائدة أو العظة والعبرة.

ولما كان الأطباء إلى جانب خبرتهم بالنفوس والأجسام البشرية يحصلون على ثقافة عالية من خلال دراساتهم الكثيرة اللازمة لمهنتهم، تلك الثقافة التي تفرض عليهم التعود على الكلام أو البحث في مشكلة معينة أو موضوع معين؛ لذلك لم يكن من المستغرب أن تهدينا مهنة الطب قائمة طويلة من الأدباء الناجحين. يقول الأديب الطبيب عبدالسلام العجيلي في تعريف الطب: فن يستقي مادته الإبداعية من العلوم، يقولون عن الفن إنه يكمل نقص الواقع، الطب يصحح أو يحاول تصحيح أخطاء الواقع، مجال إبداعه الإنسان جسماً وروحاً. ويقول الطبيب الأديب أنطون تشيخوف عن دراساته الطبية إنها (وسعت على نحو كبير حقل ملاحظاتي، وأغنتني بالمعارف التي لها قيمة بالنسبة إليّ ككاتب ولا يتيسر إدراك هذه القيمة إلا لكاتب وهو نفسه طبيب).

غربياً.. الأطباء المسرحيون


في عام 1781م أصدر دوق فرتنبرج أمره باعتقال مؤلف مسرحية (اللصوص) وإيداعه السجن ومنعه من كتابة أي شيء إلا ما كان متعلقاً بالموضوعات الطبية. لم يكن ذلك الطبيب المؤلف سوى الطبيب يوهمان كريستون فريدريس فون شلير الذي كان يعمل وقتئذٍ جراحاً بالجيش الألماني، ولم يكن قد تجاوز الثالثة والعشرين من عمرة، وكانت هذه المسرحية أول تجاربه في ميدان الأدب، وهذا ما دعا شيلر بأن هجر الطب نهائياً، وكرس باقي حياته للأدب التمثيلي، حتى أصبح من كتاب المسرح العالميين.
ومن الأطباء الذين مارسوا الكتابة للمسرح أنطون تشيخوف الذي يعد من أعظم كتاب القصة القصيرة في العالم أجمع، ومن كتاب المسرح المبرزين. وتتميز كتاباته عموماً بانعكاس ثقافته الطبية عليها، كما تتميز أيضاً بالتعمق في تحليل الجانب النفسي لشخوص مسرحياته وأنماط قصصة.

كذلك نجد الطبيب المسرحي الألماني جورج يوسز، والكاتب الطبيب بروتولد برخت الذي رأس المسرح الملحمي، وهو أحد رواد المسرح الأوروبي الحديث.

الأطباء الروائيون


من الأطباء الذين برزوا في ميدان الرواية سومرست موم وأ.ج. كروتي، وفرانك جيل سلوتر، هؤلاء اعتزلوا الطب تماماً وتفرغوا للأدب.
أما جوستاف إيكستاين فكان يخصص أربعة شهور في العام لشغل كرسي أستاذية علم وظائف الأعضاء في كلية الطب بجامعة سنسناتي أما باقي العام فكان يقضيه في كتابة مؤلفاته الأدبية.

وكذلك الطبيب الروائي الإسباني الحاصل على جائزة نوبل رامون إي كاخال. ومن هؤلاء أيضاً الطبيب السويدي إكسيل مونته الذي ألف في السبعين من عمرة رواية (سان ميشيل) والتي قوبلت بضجة من جميع أنحاء العالم حتى أنها ترجمت إلى خمس وعشرين لغة على مدى عامين فقط من ظهورها.

ومن الأطباء الفرنسيين؛ نذكر جورج ديهاميل الكاتب الروائي العملاق الذي مد المكتبة الفرنسية بثمانين كتاباً.

الأطباء القصاصون


من بين كتاب القصة العالميين تبرز أسماء الأطباء أنطوان تشيخوف (1860 / 1904م) الذي طغت شهرته الأدبية على شهرته طبياً، ولعل هذه هي حال أكثر الأطباء الأدباء؛ ذلك لأن الأديب أكثر من الطبيب يظل في دائرة الضوء والشهرة على الرغم من أنه يعتبر الطب احترافاً والأدب هواية، وتشيخوف يعتبر من أعظم كتاب القصة القصيرة في العالم أجمع.

كما نجد الأطباء: أوليفر جولد سميث وشارل ليفر الإنجليزيين، والأمريكي ويرمتيشيل، والألماني الفريد دوبلن الذي يعتبر من كبار الأدباء الذين ظهروا في الفترة ما بين الحرب العالميتين، وقد اهتم هذا الطبيب اهتماماً خاصاً بأدب القصة والرحلات.

- آرثر كونان دويل (1859 / 1930م)، طبيب وباحث وسياسي وصاحب عدة مؤلفات في مجالات متعددة، لكن شهرته التي طبقت الآفاق كانت مدينةً لشخصيةٍ خياليةٍ من ابتكاره، شخصية خرجت من رواياته وقصصه القصيرة وتمردت عليه حتى باتت لها هويتها المستقلة عن مؤلفها ومعجبيها الذين يملؤون أركان المعمورة. 

إنها شخصيةُ المحققِ الذكيِّ دقيقِ الملاحظة، المغرور والساخر والمستفز دائماً: شيرلوك هولمز. هذه الشخصية المثيرة للجدل تميزت فوق كل تلك الصفات بالقدرة على التحليل والملاحظة والبحث الدقيق وجمع الصور المتناثرة، مهما كانت بسيطة وتافهة لتكوين صورة نهائية تفكك العقدة وتحل لغز الجريمة الذي عجز الجميع عن حله، بطريقة بسيطة مدهشة وفاتنة في الوقت نفسه، تلك الطريقة المميزة التي يستخدمها هولمز هي نفسها الطريقة العلمية التي يستخدمها الأطباء في تشخيص مرضاهم، فهم يجمعون الملاحظات التي يشاهدونها على المريض، ويُجرون التحاليل ويستبعدون كل ما هو منافٍ للحقائق التي بين أيديهم حتى ينتهوا إلى التشخيص المناسب. وما فعله السير آرثر هو أنه نقل تلك الطريقة من ردهات المستشفيات إلى عالم الأدب، بل إنه صرَّح بأنه استوحى شخصيةَ شيرلوك هولمز من أحد أساتذته في كلية الطب، وكتب له رسالة شخصية ينسب له الفضل في ابتكاره شخصية المحقق الشهير.

- الكاتب والطبيب مايكل كرايتون (1942 / 2008م)، بدأ كرايتون الكتابة في سن مبكرة ونشر كثيراً من المؤلفات بأسماء مستعارة، قبل أن ينال حظه من الشهرة والمال مع ذيوع رواياته ذات الطابع الغريب والمعقَّد في الحبكة والصياغة. معظم روايات كرايتون أشبه ما تكون بأحجية علمية لا ينقصها الخيال والخيال الجامح جداً في معظم الأوقات.

عربياً..


يعد الحارث بن كلدة الثقفي أشهر أديب عربي عُرف بالطب، حتى وصف بأنه (طبيب العرب المشهور) وهو معدود في حكماء العرب. له كلام في الحكمة، ومحاورة مع كسرى الفرس، وشعر.

وممن عُرف بالطب والشعر في الجاهلية ابن حذيم، وبه يضرب المثل فيقال: (أطب من ابن حذيم).

وفي هذا الباب لا يمكن أن نغفل ذكر ابن سيناء، الشيخ الرئيس الفيلسوف والعالم العظيم، والطبيب النطاسي، وابن الشبل البغدادي، وابن زهر الطبيب والشاعر، وابن رشد الطبيب والفقيه والفيلسوف، قيل فيه إنه كان طبيباً فقيهاً يرحل إلى فتواه في الطب كما يرحل إلى فتواه في أحكام الشريعة.

وممن جمع بين الطب والأدب سعيد بن عبد ربه الأندلسي صاحب كتاب العقد الفريد، وداود بن عمر الأنطاكي صاحب كتاب التذكرة في الطب، الذي جمع بعض أخبار العشاق وأشعارهم في كتاب. وله شعر جيد.

وموفق الدين عبداللطيف البغدادي، عالم اللغة والفقيه والشاعر.

وابن دانيال الموصلي، الطبيب والشاعر أشهر من كتب تمثيليات خيال الظل، (بابات) مفردها (بابه) ولا تزال ثلاث مخطوطات من التي كتبها ابن دانيال محفوظة حتى وقتنا الحاضر بدار الكتب المصرية، وهي: (طيف الخيال) و(عجيب غريب) و(المتيم والضائع اليتيم).

الأطباء المسرحيون العرب في العصر الحديث:

الطبيب زهير أمير براق
الطبيب عصام محمد على خوقير
الأطباء الروائيون العرب في العصر الحديث:
الطبيب محمد كامل حسين
الطبيب مصطفي محمود
الطبيب نجيب الكيلاني
الطبيب يحي الرخاوي
الطبيب محمود دهموش
الطبيب محمد المنسي قنديل
الطبيب خليل النعيمي
الطبيب نبيل فاروق
الطبيب خالد أحمد توفيق
الطبيب علاء الأسواني
الطبيب أمير تاج السر
الطبيب تامر إبراهيم
الطبيب محمد سليمان عبدالملك
الطبيب منذر القباني
الطبيب أسد محمد
الطبيبة أمل محمد شطا
الطبيبة هيفاء بيطار
الطبيبة سميرة بُريك

- الأطباء القصاصون في العصر الحديث:

الطبيب عبدالسلام العجيلي
الطبيب حسين فوزي
الطبيب سعيد عبده
الطبيب يوسف إدريس
الطبيب مصطفى محمود
الطبيبة عزة رشاد
الطبيبة مادلين حنا
الطبيب رضا البهات
الطبيب أحمد نزار صالح
الطبيب محمد المخزنجي
الطبيب محمد إبراهيم طه
الطبيب عبدالله سليمان مناع
الطبيب صلاح الدين محمد مصطفى أبوالرب
الطبيب الطيب رزق
الطبيب جمال عبدالملك (ابن خلدون)
الطبيبة إنعام مسالمة

الأطباء الشعراء في العصر الحديث

ساحة الشعر العربي عرفت عبر الزمن شعراء أكثر من أن يعدو ويحصروا، وأمة من الشعراء لا يستبعد أن يقرض أطباؤها الشعر، ولن أخوض في أعماق التاريخ، فأطباء العرب القدماء قرضوا جميعاً الشعر، كما كتبوا في شتى فروع المعرفة والثقافة؛ ولكن أتذكر معكم بعضاً من شعرائنا المعاصرين الذين أثروا وجداننا بأشعارهم، ولم يتوقفوا يوماً عن الإبداع في عملهم المعتاد في مداواة آلام الناس ولم يتوانوا عن التعبير عن هذه الآلام بقريحة صادقة وعاطفة جياشة.

ومن أشهر هؤلاء الأطباء العرب:

الطبيب أحمد زكي أبو شادي
الطبيب نقولا فياض
الطبيب إبراهيم ناجي
الطبيب حسن إبراهيم
الطبيب عبدالودود القيسي
الطبيب أحمد تيمور
الطبيب نصر عبدالقادر
الطبيب عبدالحميد محمود
الطبيب سعيد عبده
الطبيب وجيه البارودي
الطبيب عبدو مسوح
الطبيب نزار بريك هنيدي
الطبيب محمد فؤاد
الطبيب ضياء الدين الجماس
الطبيب صالح قنباذ
الطبيب محمد رائد الحمدو
الطبيب حازم العظمة
الطبيب تمام تلاوي
الطبيب عبدالمعطي الدلاتي
الطبيب علي الناصر
الطبيب محمد نجيب المراد
الطبيب محمد حكمت وليد
الطبيب عبدالله حسين باسلامة
الطبيب حجر أحمد حجر البنعلي
الطبيب نزار محمد عبده غانم
الطبيب معز عمر بخيت
الطبيب مدحت العدل
الطبيب محمد محسن
الطبيبة لميس حجة
الطبيب وحيد زايد
الطبيب نصر عبد القادر

ختاماً


ما كتب من دراسات أو سير ذاتية عن هؤلاء الأطباء الأدباء يفيد اشتراكهم جميعاً في نوع من التعامل الإنساني الذاتي من حيث معاملتهم مرضاهم على أنهم أصدقاؤهم وليسوا زبائن، ومعالجة أكثرهم بالمجان، بالإضافة إلى الاستعداد الدائم لتلبية القاصد الملهوف، ولعل في تكوينهم الأدبي وإحساساتهم ما يحقق هذا التناغم الرهيف في حياتهم كأطباء وأدباء لنموذج يحقق هذا التوافق والتجانس الذي أثرى به الفن الأدبي مهنة عظيمة جليلة مثل الطب. ولا ندعي أننا أجملنا في الذكر ما نعرف وما لا نعرف من الأطباء الأدباء؛ فمن المحقق أنه غاب عنا أكثر مما تداركنا في هذا المجال إذ أن كل طبيب بداخله أديب وفنان، وهذا ما يعصي علي الحصر. وعذراً لكل من مارس الطب أديباً أو الأدب طبياً ولم نأت على ذكره.

صلاح عبد الستار الشهاوي

المصدر/ المجلة العربية
 

0/Post a Comment/Comments

أحدث أقدم