الباشا محمود شاكر وأسرته والقضية العربية !..

 

هو العلامة اللغوي المحقق محمود محمد شاكر "أبو فهر"، أحد أهم الشخصيات التي أُحبُّ الحديث عنها وإحياء ذكراها، لأنه يُعتبر وباِمتياز جزء أصيل من الذاكرة الجمعية المكونة لهوية الأمة العربية والإسلامية في العصر الحديث..

 

الباشا محمود شاكر وأسرته والقضية العربية !..

فالأستاذ من مواليد الأسكندرية سنة ١٩٠٩م، في أسرة عظيمة تنتمي لمدينة جرجا في صعيد مصر، وتضم معه علمان من أعلام الأمة الإسلامية المُحدَثين ..

 

الأول هو والده الشيخ "محمد شاكر" أحد علماء الأزهر الأفذاذ، والتلميذ النجيب للإمام محمد عبده، والذي قضى حياته كلها في حركة وجهاد لله سبحانه وتعالى..

فقد كان أول من أنشأ  القضاء الشرعي في السودان، وأول قاض للقضاة هناك منذ العام ١٩٠٠ وحتى سنة ١٩٠٥م.

 

ثم ذهب إلى الإسكندرية ليؤسس المعهد الديني الأزهري بها، ويتولي رئاسته ليصبح  شيخ مشايخ الإسكندرية في النصف الثاني من العقد الأول للقرن العشرين..

 

وبعد ذلك ينتقل إلى القاهرة في نفس السنة التي ولد فيها صاحبنا العلامة محمود شاكر، ليتولى وكالة مشيخة الأزهر في عهد الشيخ الإمام سليم البشري ...

 

وبلغت به هذه المكانة، أن قام الخديوي "عباس حلمي الثاني" بتكريمه وتهنئته بمولوده الجديد!.

 

حيث كان من سياسة الخديوي "عباس الثاني" الإصلاح والتقرّب من المصريين ومقاومة الإنجليز قدر المستطاع، لذلك قامت بريطانيا العظمي بعزله وتولية عمّه السلطان "حسين كامل" مكانه عند نشوب الحرب العالمية الأولي سنة ١٩١٤م ..

 

ومن طرافة اللقاء بين الخديوي عباس والشيخ "محمد شاكر" ما ذكره الأستاذ رجاء النقاش في كتابه الماتع "رجال من بلادي"، عندما سأل الخديوي عن اسم المولود الجديد ؟!

 

فأجاب الشيخ : إن اسمه محمود سعد الدين ..

فقال الخديوي : بل هو "محمود باشا"!.

ومن هنا كان المقربون والمحبون من العلامة محمود شاكر  يلقبونه بالباشا، تكريما له وعرفانا بمكانته العلمية وتفوقه علي أقرانه!..

وكلمة "باشا" فارسية الأصل ومكونة من مقطعين، الأول "با" ومعناه الساق أو الساعد، والثاني "شاه" وهو الملك والسلطان ..

 

وهنا كانت الكلمة وظيفية بالأساس معناها ساعد الملك ويده ومستشاره، ثم أخذها الأتراك وأصبحت لقبا تشريفيا بالدولة العثمانية فيما بعد..

 

وأما العلَم الثاني في أسرة شاكر فهو الأخ الأكبر الفقيه المُحدّث #شمس_الأئمة_أبو_الأشبال "أحمد شاكر"، والذي ولد بالقاهرة  فَوْر تخرج والده الشيخ محمد شاكر من الجامع الأزهر سنة ١٨٩٢م ..

 

وقد بارك الله للإمام "أحمد شاكر" في وقته وعقله فكان غزير الإنتاج في مختلف علوم الدين من شرح وتحقيق وتأليف للعديد من الكتب والمجلدات!..

 

ومن ذلك شرح وتصحيح أكثر من ثمانية آلاف حديث في "مسند أحمد بن حنبل"، فضلا عن جهوده الكبيرة في كتب الحديث الأخرى حيث شرح وخرّج أحاديث "سنن الترمذي"، و"صحيح ابن حبان"، و" مختصر سنن أبي داوود" وغيرها ..

 

أيضا قام بالاشتراك مع أخيه الأصغر العلامة "محمود شاكر" بتخريج أحاديث ثلاثة عشر مجلد من تفسير الإمام الطبري للقرآن الكريم ..

 

ولم يقتصر الأمر على علوم الحديث، فكان له إسهام بارز في الفقه وأصوله مثل تحقيقه وشرحه لكتابي الإمام ابن حزم "الإحكام في أصول الأحكام"، و"المُحلّىَ بالآثار" اللّذيْن بلغا تسعة عشر مجلد وغيرها الكثير من كتب التراث والعقيدة والشريعة الإسلامية!..

 

وقد كان الشيخ "أحمد شاكر" ذكيا مجتهدا سابقا لعصره في بعض اجتهاداته ومنها موافقته لرأي الشيخ مصطفي المراغي حول تَجْوِيز الشرع لإثبات أوائل الشهور العربية بالحساب الفلكي، بالرغم من مخالفة هذا الرأي لكثير من العلماء المعاصرين في تلك الحقبة ومنهم والده الشيخ "محمد شاكر"!

 

كما سبق معاصريه عندما أباح في حاشيته علي شرح "المُحلّىَ" إخراج زكاة الفطر مالاً وخاصة في المدن الكبرى مثل القاهرة، مع تفضيل إخراجها طعاماً في القرى وصعيد البلاد حيث كان نظام المقايضة بالطعام لا يزال معمولاً به هناك!..

 

وبالعودة في الحديث إلى الدُّرّة الثالثة لهذه الأسرة المباركة العلامة "محمود شاكر" رحمه الله، فلن أتكلم عن تركه الجامعة بسبب خلاف مع أستاذه الدكتور "طه حسين" حول الشعر الجاهلي، وهذا رغم أن "طه حسين" هو الذي توسّط لإلحاقه بكلية الآداب قسم اللغة العربية التى لم تكن تقبل طلاب قسم الرياضيات العلمي الذي كان محمود شاكر أحد طلابه في المرحلة الثانوية!.

 

ولن أتكلم أيضاً عن معركته الشهيرة في الستينات ضد العلماني الفرعوني الدكتور لويس عوض والتي فصّلها في كتابه الماتع أباطيل وأسمار..

 

ولكني سأذكر فضيلته الكبرى –من وجهة نظري– التى كانت منهجه في الكتابة طوال سنوات عمره المديدة، وهو ما عبّر عنه كتابةً في مجلة الرسالة، [العدد ٧٥٦ الصادر في ديسمبر ١٩٤٧م]، بمقال عنوانه:  #إياكم_والمهادنة !...

 

يقول في صدره: «إنما حَمَلت أمانة هذا القلم لأَصدع بالحق جهارًا فى غير جَمْجَمة ولا إدْهان، ولو عرفت أنّي أعجز عن حمل هذه الأمانة بحقها لقذفت به إلى حيث يذلُّ العزيز ويُمْتَهَن الكريم ...

 

وأنا جنديّ من جنود هذه العربية، لو عرفت أني سوف أحمل سيفاً أو سِلاحاً أَمْضَى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين!.

 

ولكني نَذرتُ على هذا القلم أن لا يكفَّ عن القتال في سبيل العرب ما استطعتُ أن أحمله بين أناملي، وما أتيح لي أن أجد مكانا أقول فيه الحق وأدعو إليه، لا ينهاني عن الصراحة فيه شيء مما ينهى الناس أو يخدعهم أو يغرر بباطل من باطل هذه الحياة..

 

والأمر بيننا وبين اليهود سافر كإشراق الصباح لا يغطيه شيء، فهو الحرب الضارية التي لا ترحم ..

 

فمن شك في هذا فإنما يشك عن فساد لا عن يقينٍ خطأ يلتمس فيه العذر!.»..أ.هـ

وهذه كانت فطنة كبيرة أعجبتني من الرجل أكثر من غيرها، لأنه كتب عن القضية وخطرها في وقت كان كبار رجال الأدب والثقافة والسياسة  مغيّبين عن حقيقتها وخطرها، لدرجة أن جريدة "الشمس" الصهيونية بالقاهرة نشرت مقالاً في ٢١ يوليو ١٩٤٤م، بقلم "سيمون ماني" رئيس محفل القاهرة لمنظمة "البناي بريث" (أقدم منظمة خدمات يهـودية في العالم)، يشكر فيه الدكتور "طه حسين" مدير جامعة الأسكندرية، والدكتور "محمد حسين هيكل باشا"رئيس حزب الأحرار الدستوريين، ورئيس مجلس الشيوخ المصري بين عامي (١٩٤٥–١٩٥٠م)، على كلمات العطف التي سمعها منهما عندما شكل اليـهود في مصر رابطة لمقاومة الهتلرية أثناء الحرب العالمية الثانية!..

 

ولذلك كانت مقالات محمود شاكر تُعد غريبة وشاذة في إطار هذا الاختراق الصـهيوني للبلاد!.

 

وقد كتب في أحدها وتحت عنوان : #لا_هوادة_بعد_اليوم !.  يُنادى بمنع هجرة اليهود للبلاد العربية وطردهم منها قائلاً:

 

"وإذا كنا نعلم علم اليقين أن هؤلاء الطارئين هم من حثالة اليهود وحثالة الأجانب، وأنهم أرذل خلق الله أخلاقًا وأقلهم علمًا وأخسهم نفوسًا، فأي تعصب في أن نقول للعالم أجمع، إننا نأبى أن نؤوي هذه الحثالة القذرة في بلادنا وبين أهليها ..

وأي تعصب في أن نسن قانونا يوجب ترحيل هؤلاء الطارئين، أو يوجب نزع الجنسية المصرية أو العربية أو السورية عن هذه الرمم الإنسانية التي تفعل في شوارعنا وطرقاتنا ما لا تستطيع أن تفعل مثله في بلاد غير بلادنا التي وقعت تحت بطش الاستعمار قرنًا أو بعض قرن!".

 

ويضيف في موضع آخر بنفس المقال: «إن هذه اليهود وهذه الأجانب هى ذرائع الاستعمار، وهى أداة البطش التي سلطها على رقابنا، وهى الخبيثة المردية التى تفشّى داؤها حتى أوْهَى القوى وأوهن العزائم، وأُكلنا لحمًا طريا وتركنا عظامًا نخرة.»!..[الرسالة، العدد ٧٤٤، أكتوبر ١٩٤٧م]..

 

وقد بلغ من الاهتمام الشديد لمحمود شاكر بالقضية الفلسطينية والتحذير الدائم من الخطر اليهودي أن اتهمه البعض بالاِنتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، التى كانت أكبر من تبنى القضية والجهاد في سبيلها!.

 

والسبب في ذلك هو أن الرجل وإن كان بعيدًا عن الجماعة، فقد تلاقت أهدافهما في الوحدة العربية والإسلامية وهو ما حارب من أجله أيضا "محمود شاكر" في كتاباته عندما نادى بعدم فصل مصر عن السودان وبتوحيد القضايا العربية في مقال شهير تحت عنوان:  #شعب_واحد_وقضية_واحدة !..

 

«ينبغي أن لا نرضى منذ اليوم أن تفرق (عصابة الشر) قضية العرب وتجعلها قضايا ممزقة، هذه قضية مصر والسودان، وتلك قضية فلسطين، والأخرى قضية طرابلس وبرقة، والرابعة قضية تونس، الخامسة قضية الجزائر، والسادسة قضية مراكش، والسابعة قضية العراق .. بل إن هذه القضايا كلها قضية واحدة لا تنفك منها واحدة عن أختها أبدًا.»..[الرسالة، العدد ٧٣٠، يونيو ١٩٤٧م]..

 

رحم الله "أبا فهر" العلامة محمود شاكر شيخ العربية وحامل لوائها، الذي قبضه الله تعالى في السابع من أغسطس عام ١٩٩٧م، في صمت تام من الدولة الغبية وأجهزتها الإعلامية التى انقلب حالها رأسا على عقب عندما مات الممثل فريد شوقي بعدها ببضع شهور!.

 

كتبه الفقير إلى عفو الله / أحمد الشريف..

 

0/Post a Comment/Comments

أحدث أقدم