صاحب كتاب "الإسلام يتحدى".. رحيل وحيد الدين خان علامة الهند فى العصر الحديث

 

"لقد وهب حياته كلها للدعوة الإسلامية، وتخصص في إقامة الأدلة العلمية على الإيمان الديني، فبلور علم كلام جديدًا مناسبًا لعصر العلم، خاليًا من جدل الفرق الإسلامية القديمة، ومتجردًا من محاكاة الفلسفة الإغريقية القديمة، ولقد أعانته ثقافته العلمية الواسعة على أن يقدم في هذا الميدان أعمالاً فذة غير مسبوقة، وكانت باكورة أعماله الفكرية سنة 1950 كتابه (على باب قرن جديد)".

 

رحيل وحيد الدين خان علامة الهند فى العصر الحديث


هكذا وصف المفكر الراحل الدكتور محمد عمارة, الداعية الهندى المسلم وحيد الدين خان والذي رحل اليوم 21 أبريل 2021 عن عالمنا.

 

لـ وحيد الدين خان إسهامات كبيرة في خدمة الدعوة الإسلامية في الهند والعالم أجمع، خصوصًا أنه عاصر الاحتلال الغربي لبلدان المسلمين والهجمات الفكرية التي تعرض لها العالم الإسلامي، ولهذا فقد علم الداء والدواء لأمراض الأمة.

 

ويرى الكثير من المثقفين أن كتبه عمومًا وكتابه "الإسلام يتحدى" خصوصًا، كان له أكبر الأثر على الملايين الذين اطلعوا عليه، فهو نجح بأسلوب ساحر في أن يثبت وجود الله سبحانه وتعالى عبر قوانين الإحصاء والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء، والغريب أن وحيد الدين خان استند إلى بعض أبحاث ونظريات اللادينيين والملحدين العلمية وقلبها بأسلوب علمي لصالح إثبات وجود الله.

 

لمفكر الإسلامي عبد الرحمن أبو ذكري الذي زاره في الهند يقول: قابلت أحد تلامذته الهندوس المتحولين إلى الإسلام، وهو شابٌ في مثل عمري يعمل نائبًا لمدير بنك (ناجح بالمعايير الرأسمالية)، قال لي: "لو لم يحبني مولانا، ويصبر على تعصبي وأسئلتي، ويحتمل بُغضي الموروث ونفوري اللاعقلاني من الإسلام وازدرائي للمسلمين، في سبيل هدايتي، لربما ظللت إلى اليوم هندوسيًا أعبد أوثانًا، بل لو لم يحب مولانا الهندوس ويرغب في هدايتهم، لما هدى الله به الكثيرين إلى الإسلام"، وقد كان بعض هؤلاء الشباب المتحولين إلى الإسلام حاضرًا في مجلس مولانا الصغير.

 

وتابع أبو ذكري: "وإذا كنت أرى أن مفهوم الحب عند الصوفية والتعبير اللغوي عنه أهم أسباب أزمتهم، وإذا كنت ما زلت أرى في حب مولانا وحيد الدين خان للهندوس "بعضًا" من تسليمه للأمر الواقع ولتغلبهم وتسلطهم، إلا أنني لا أستطيع منع نفسي من الإعجاب الشديد بقدرته تلك، إذ يلزم لهذا النوع من الحب طاقة نفسية ضخمة، وقدر هائل من النضج النفسي والروحي، أن تُحب من يرفضك طمعًا بأن يهديه الله خيرًا على يديك، إنها عاطفة من مشكاة النبوة، من هدي النبي الذي رفض هلاك قومه عسى أن يخرج الله منهم أو من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله.

 

مفكر مسلم هندي معاصر، لهُ فكر متميز يحاول الجمع بين المنهج الإسلامي والمنهج العلمي والفلسفي وبهذا المنهج كان يحاور الملحدين واللادينيين في العديد من كتبهِ. وتتميز مؤلفاته أنها تجمع بين البساطة والعمق وبالتالي تناسب مختلف أنواع القراء، وتأثر كثيراً بأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي في أول نشأته ثم خالف وناقش علميا وفكريا ضد إيديولوجيات المودودي في العديد من كتبه. وله موفق صريح ضده.

 

ولقد كانت دعوتهُ قائمة على مهاجمة العنف وجماعات العنف المسلح، والدعوة لتبني المنهج العلمي في الدعوة. ولعلً كثيراً من القراء العرب يعرفون وحيد الدين خان من مؤلفه المشهور «الإسلام يتحدى» ولكنّه من المؤسف مازال مجهولاً على الصعيد الفكري المنهجي بسبب تأخر ترجمة مؤلفاته إلى اللغة العربية.

 

ومن عرف وحيد الدين المفكر المنهجي سوف يجد أمامه نوعية فريدة من الفكر الإسلامي الإيجابي. فهو مفكر عملاق يتصدى لمعالجة أعقد قضايا الفكر بأسلوب علمي يبهر العقول.

 

والميزة التي يمتاز بها وحيد الدين خان من بين أقرانه من مفكري العصر إدمانه القاتل على دراسة الكتب العلمية و الفكرية باللغة الانكليزية ويمكن تقدير سعة اطلاعه وعمق دراسته من خلال مؤلفاتهِ، ولقد أخبر بأنه ّلكي يستوعب الفلسفة الماركسية ظل منكّباً على قراءة أهم المصادر الأساسية والأولية حتى قرأ أكثر من عشرة ألف صفحة في صميم الموضوع قبل أن يكتب عن الماركسية كتابه « الماركسية في الميزان » وعندما تصدى للرد على المدارس الفكرية الإلحادية وعلى رأسهم « برتراند رسل » الذي يعد دعامة الفكر الإلحادي في العصر الحديث قرأ كافة أعماله، ولقد أخبر عنه أيضا أنّه ربما قرأ مائة صفحة ليكتب صفحة واحدة فقط.

 

وتمتاز كتاباته بالأسلوب العلمي والتحليلي، فهو أحد المفكرين المسلمين القلائل الذين تمكنوا من استيعاب ثقافة العصر، وربما وصل اطلاعه على الفكر المعاصر درجة لم يصلها مفكر مسلم من قبلهِ وفي نفس الوقت فهو متمكن من العلوم والدراسات الإسلامية في أدق خفاياها وكما جاء في وصفه:« وحيد الدين خان أحد المفكرين المسلمين القلائل الذين جمعوا بين ثقافة العصر في أعمق ظواهرها وأعقد تشعبانها، وبين ثقافة الإسلام الخالدة في أدق خصائصها وأشمل معطياتها وهي ميزة؟ قلما وجدت بين مثقفي هذا العصر» مجلة الأمة القطرية ذو القعدة 1405هـ.

 

مواقفه

 

وبداية منذ عام 1970 أسس وحيد الدين خان المركز الإسلامي في نيودلهي، والذي عمل على إصدار مجلة "الرسالة" بالأردية عام 1976، ثم بالإنجليزية والهندية أعوام 1984 و1990 وذلك لنشر فكره ورؤيته عن روح السلام في الإسلام والمسؤولية الاجتماعية للمسلمين وللترويج للفكر والعمل الإيجابي، وفي عام 1992 وعندما واجه المجتمع الهندي حالة انقسام ديني حادة بسبب أزمة المسجد البابري شعر بضرورة أن يقنع الناس بالحاجة إلى استعادة السلام والوئام من أجل أن تسير البلاد مرة أخرى على طريق التقدم، ومن ثم فقد شرع في "مسيرة سلام" مع قيادات الطوائف الهندية جابت 35 منطقة هندية، كما دعا إلى لقاءات تجمع القادة الدينيين في البلاد من أجل نشر السلام والمحبة والانسجام، كما عمل على إعداد تلاميذ كسفراء للسلام ليس في الهند وحدها ولكن في العالم أجمع.

 

يقول الدكتور محمد عمارة: "ولقد لفت وحيد الدين خان الأنظار إلى إسهام الإسلام فى النهضة الأوروبية الحديثة، عندما أسقط الكهانة والثيوقراطية والحكم بالحق الإلهي، ففتح أمام أوروبا الحديثة أبواب الديمقراطية الليبرالية، وعندما قدم مبدأ تسخير الطبيعة للإنسان، بديلاً عن تقديس الطبيعة، ففتح أمام العقل الأوروبى أبواب العلم التجريبي، الذى كانت تحرِّمه وتجرِّمه الكهانة الكنسية لزعمها أن العالم دنس، لا يجوز التجريب فيه! كما كان العقل الإغريقى التأملى يترفع عنه لأنه - كالعمل اليدوي - خاص بالعبيد!".

 

انتقادات

وقد وجهت بعض الانتقادات للعلامة وحيد الدين خان، بشأن بعض أفكاره، إلا أن هذا لا يقلل من موسوعية الرجل وعلمه الغزير، فلا يجوز الانتقاص من قيمته لمجرد تفرده ببعض الآراء.

 

ومهما كان يجب الاستفادة من مؤلفاته البديعة ومنها حاضرنا ومستقبلنا في ضوء الإسلام – قضية البعث الإسلامي – حكمة الدين – الإنسان القرآني، مع أنّه عالم جليل وداعية عظيم، وكل يؤخذ من كلامه ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

ولد وحيد الدين خان في أول يناير سنة ( 1925) في مدينة أعظم كره بالهند وتعلم في جامعة الإصلاح العربية الإسلامية، وبدأ وحيد الدين يقدم حصيلة فكره بعد دراسات عميقة وفي البدء انتظم في سلك لجنة التآلف التابعة للجماعة الإسلامية بالهند وعمل سنوات معدودة، ثم أمضى ثلاث سنوات مكباً على التآلف في المجمع الإسلامي العلمي التابع لندوة العلماء بلكناؤ، ثم شغل رئيس تحرير الجمعية الأسبوعية في دلهي (1967) لمدة سبع سنوات حتى أغلقت المجلة من قبل السلطات وفي أكتوبر سنة (1976).


أصدر لأول مرة ومستقلاً عن كافة الهيئات مجلة (الرسالة) ودأبت هذه المجلة الشهرية على الصدور حتى الآن ونالت حظاً كبيراً من النجاح والقبول ولقد ألف الأستاذ وحيد عدّة مؤلفات هامة نذكر منها على الخصوص « الإسلام يتحدى »، « الدين في مواجهة العلم»، « تجديد الدين»، «الإسلام والعصر الحديث»، « حكمة الدين »، «قضية البعث الإسلامي»، « الإنسان القرآني»، «الإسلام » وكل هذه المؤلفات ترجمت إلى العربية ومن المؤلفات الهامة التي لم تترجم له: « محمد رسول الثورة»، «ظهور الإسلام »، « الله أكبر»، بالإضافة إلى تفسيره للقرآن « تذكير القران» إلى غير ذلك من المؤلفات التي تربو على خمسين كتاباً، و ألآلف المقالات المنشورة وغير المنشورة .

 

من مؤلفاته

لوحيد الدين خان الكثير من المؤلفات باللغة الإنجليزية منها:

 

Religion and Science

God Arises: Evidence of God in Nature & Science

In Search of God

Islam and Modern Challenges

The Way to Find God

The Quran, an abiding wonder

The Moral Vision : Islamic Ethics for Success in Life

Women Between Islam and Western Society

A Treasury Of The Qur'an

The Prophet Muhammad : A Simple Guide to His Life

ISLAM: THE VOICE OF HUMAN NATURE

Islam and the Modern Man

ISLAM: CREATOR OF THE MODERN AGE

Islam As It Is

A Treasury Of The Qur'an

 

وله عدد من المؤلفات المترجمة إلى العربية منها:

 

·       الإسلام يتحدى

·       الدين في مواجهة العلم

·       حكمة الدين

·       تجديد علوم الدين

·       المسلمون بين الماضي والحاضر والمستقبل

·       خواطر وعبر

0/Post a Comment/Comments

أحدث أقدم