"نجاتيلا سريداران".. الحالم بالكلمات ورحلة الشغف والإرادة والصبر على مدى ربع قرن

 يقال كثيراً إن الهند بلد العجائب، وعجائب الهند لا تأتي فقط من تنوع الأديان واللغات والعادات والتقاليد لشعب يناهز المليار و400 مليون نسمة فقط. ولكن لعجائب النماذج البشرية التي تخرج من هذا الثراء الثقافي.

 

Njattyela Sreedharan


من بين تلك القصص المثيرة للإعجاب قصة ذلك الرجل الثمانيني المتسرب من التعليم من أهالي كيرالا نجاتيلا سريداران Njattyela Sreedharan والذي عكف خمسة وعشرين عاما ليخرج قاموسا فريدا بأربع من اللغات المحلية للجنوب الهندي.

 

لتقدير حجم الإنجاز الفريد كما يحكي قصته موقع "ذا بتر إنديا The Better India" علينا أن نعرف أن أول قاموس أنتج لإحدى تلك اللغات الأربع (وهي اللغة المالايامية)، أنجزه العالم اللغوي الألماني هيرمان جوندرت Hermann Gundert عام 1872، وبعد ما يقرب من 150 عام جاء هذا الرجل الهندي البالغ من العمر 83 عاما، ونشر قاموسا بأربع لغات رئيسية في جنوب الهند، وهي اللغات المالايامية والتاميلية والتيلوجو والكانادا، ويحتوي هذا القاموس الضخم على مليون و250 ألف كلمة، حيث يوجد لكل كلمة في المالايامية الكلمة المقابلة لها في اللغات الثلاث الأخرى.

 

كان هذا عمل حياته، عشقه وحبه، حيث استثمر أكثر من 25 عاما في تجميعه بشق الأنفس، في مسقط رأسه في تالاسيري بولاية كيرالا. والجدير بالذكر هنا أن هيرمان كان أيضا في تالاسيري عندما ألف معجمه قبل كل تلك السنوات!

 

يقول نجاتيلا "أعتقد أن روحه (روح هيرمان) دخلت جسدي وجعلتني أعمل في هذا المشروع". الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن نجاتيلا لم يكمل حتى التعليم الرسمي، حيث ترك المدرسة عندما كان في الصف الرابع، لكن شغفه بالكلمات هو الذي دفعه إلى تحقيق ذلك.

 

بعد ترك نجاتيلا للمدرسة التحق بالعمل في مصنع للسجائر، وخلال عمله بذلك المصنع التحق بالامتحان القياسي العام الثامن Eighth Standard Public Examination بشكل خاص واجتازه بنجاح، ومن ثم حصل على وظيفة في دائرة الأشغال العامة، وعلى الرغم من أنه كان يعمل على القاموس منذ عام 1984، إلا أنه لم يستطع التفرغ له إلا بعد خرجوه على المعاش عام 1994، فانكب على العمل فيه، وكما يقول: "كنت أقضي ساعات في غرفتي أسكب الكلمات وأعمل عليها. لقد منحني الكثير من الرضا والسعادة".

 

وعلى الرغم من أنه لم يكن قد تحصل على الكثير من التعليم الرسمي، فقد كان دائما ما يستمتع بالقراءة وكان دائما يختار كتبًا ممتعة. كما أنه أحب أيضا السفر ومقابلة أشخاص من أماكن مختلفة والتفاعل معهم، كما تعلم اللغات الإقليمية الأربع لجنوب الهند بمفرده.

 

يقول نجاتيلا: "ساعدني التفاعل مع السكان المحليين في هذه الأماكن على تعلم الفروق الدقيقة في هذه اللغات". و"بمجرد أن علم الناس بشغفي، انفتحوا علي. وفي كل مكان سافرت إليه، كنت دائما موضع ترحيب وكان الناس دائمًا فضوليين ومستعدين للمساعدة في عملي التجميعي".

 

ويذكر نجاتيلا كيف كان يجد أحيانا بسهولة معنى كلمة في لغتين من اللغات الأربع ولا يهدأ حتى يتمكن من العثور عليها كلها. يقول: "غالبا ما أصحح الأخطاء في القواميس التي كانت شائعة الاستخدام".

 

يتحدث عن كيف كان يجد أحيانا معنى كلمة معينة في لغتين ويكافح للعثور على معناها في لغتين أخريين، ويضرب مثلا بـ "إحدى هذه الكلمات التي جاهد معها كانت في العثور على كلمة تيلوجوية مكافئة لـ"vayambu"، وتعني نبات الايورفيدا في المالايالامية. حيث استغرق الأمر منه ما يقرب من ست سنوات للعثور عليه".

 

وكانت هناك العديد من لحظات اليوريكا التي يعتز بها نجاتيلا "إنها مثل لعبة وكان التشويق في إيجاد المعنى في جميع اللغات الأربع لا مثيل له. كانت هناك حالات جاءت فيها كلمة المعنى في المنام وكنت أقفز من السرير حرفيا لتدوينها".

 

وفي حين أن مثل هذه الدراسات المقارنة تتم عادة من قبل الجامعات والباحثين، شرع نجاتيلا سريداران في هذه الرحلة بمفرده دون أي دعم مالي على الإطلاق. يقول: "كان من الصعب جدا العثور على ناشر. لقد زرت العديد من دور النشر والمؤسسات الخاصة ورفضت جميعها".

 

كان المخرج الوثائقي الشاب، ناندان، هو الذي قرر تصوير حياته ونضالاته في فيلمه الوثائقي "الحلم بالكلمات Dreaming of Words". في الفيلم، يسلط ناندان الضوء على الصعوبات التي واجهها سريداران عندما كان يبحث عن ناشر.

 

وبعد العديد من التقلبات، شهد القاموس أخيرا النور في نوفمبر 2020 في 900 صفحة، وذلك عندما أثمرت الجهود الجماعية لمنتدى كبار السن في ولاية كيرالا Senior Citizens Forum in Kerala. تم الانتهاء من العمل في الفيلم الوثائقي قبل انتشار الوباء مباشرة وتم عرضه في العديد من المهرجانات السينمائية في جميع أنحاء العالم.

 

الجميل في هذا الإنجاز هو الشغف والنهم المعرفي الذي قال عنه الإمام علي رضي الله عنه: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال. لكن الشغف وحده لم يكن يكفي لأن تسير مركبة الإنجاز إلى نهايتها رغم الصعوبات والمعوقات وربما الأمور المحبطة، إلا أن تكون مصحوبة بالإرادة، والدأب والإصرار والصبر، كما تعلمنا قصة موسى والخضر.

 

د. مجدي سعيد

0/Post a Comment/Comments

أحدث أقدم