جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

شخصيات

إيفان أجيلي.. في بحور الفن والفلسفة والإيمان

 

إيفان أجيلي.. في بحور الفن والفلسفة والإيمان



إيفان أجيلي.. في بحور الفن والفلسفة والإيمان

د. مجدي سعيد


في يوم الثامن والعشرين من شهر سبتمبر من عام 2017، نشر المعهد السويدي بالإسكندرية دعوة لندوة تقام في الأول من أكتوبر للاحتفال بمئوية رحيل الفنان والفيلسوف السويدي إيفان أجيلي (عبد الهادي العقيلي)، الذي عرف طريقه إلى الإيمان بالإسلام عبر رحلة فريدة وعجيبة، ولقي مصرعه في الأول من أكتوبر عام 1917 بالقرب من برشلونة في إسبانيا، وقد دعتني عدم معرفتي المسبقة بالرجل إلى البحث عن مزيد من المعلومات عنه وعن حياته، خاصة وأن الدعوة المنشورة لا تحتوي على القدر الكافي الذي يشبع الشغف والنهم المعرفي لدي باستكشاف الشخصيات الفريدة، ومن ثم كانت رحلتي معه ومع رحلته هو الروحية والفكرية.


ولد إيفان أجيليIvan Agueli  (واسمه السويدي جون جوستاف أجيلي) في بلدة سالا Sala السويدية الصغيرة عام 1869 لأب يعمل طبيبا بيطريا، ودرس بين عامي 1879 و1889 في كل من جوتلاند واستوكهولم وأبدى اهتماما بدراسة الجغرافيا والنبات، لكنه لم يستكمل دراسته بسبب ضعف سمعه، لكنه أظهر في وقت مبكر موهبة فنية استثنائية خاصة خلال إقامته بجزيرة جوتلاند الخلابة، كما أبدى اهتماما شديدا بالتصوف الديني والأدب الروسي.


وفي عام 1889 سافر إلى باريس وأصبح تلميذا للرسام الرمزي الفرنسي إميل برنار الذي قدمه للمجتمع الثيوصوفي، وخلال تلك الزيارة اتخذ لنفسه اسم إيفان، وفي عام 1890 زار لندن، حيث التقى بالعالم الأناركي الروسي الأمير كروبتكين. ولدى عودته للسويد عام 1891 التحق بمدرسة للفنون، حيث تعلم على يدي الفنانين أندرس زورن وريتشارد بيرج. وفي عام 1892 عاد مرة أخرى إلى باريس، حيث تعرف على الشاعرة وناشطة حقوق الحيوان والأناركية الفرنسية ماري هوت Marie Huot، وكثف دراساته للغات وأديان وفنون الشرق، ونشط في دوائر الأناركية الفرنسية إلى أن اعتقل في باريس عام 1894 وقضى بالسجن أربعة أشهر، ثم سافر إلى مصر للمرة الأولى في سبتمبر من عام 1894، وعاش فيها إلى أن عاد إلى باريس عام 1896، وفي وقت لاحق من ذلك العام اعتنق الإسلام واتخذ لنفسه اسم عبد الهادي.


وفي عام 1899 سافر إلى كولومبو عاصمة سريلانكا الحالية وعاد منها إلى فرنسا عام 1900، وفي عام 1902 عاد إلى مصر مرة أخرى، حيث قضى بها حتى عام 1909، ثم من عام 1914 إلى عام 1916 وبشكل مجمل فقد قضى في مصر حوالي عشرة أعوام من حياته، حيث أصبح من أوائل الأوربيين الذين التحقوا رسميا بالدراسة في الأزهر الذي درس به العربية والفلسفة الإسلامية، كما التحق بالطريقة الصوفية العربية الشاذلية عن طريق الشيخ عبد الرحمن عليش الكبير، وبمساعدة من الشيخ عليش، أسس وشارك - مع زميل صحفي إيطالي آخر اعتنق الإسلام هو إنريكو إنساباتو – في مجلة إيطالية نشرت بالقاهرة بين عامي 1904 و1913 اسمها إل كونفيتو (أي النادي).


وفي عام 1911 أسس أجيلي "الأكبرية" كجمعية صوفية سرية في باريس، كان من بين أول أعضائها رينيه جينو (والذي عرف لاحقا باسم عبد الواحد جينو)، كان الغرض منها نشر تعاليم محيي الدين بن عربي بين الطبقات العلمية والمتعلمة والفكرية، من خلال ممارسة الطريقة الشاذلية والملاماتية. وللشك في كونه جاسوسا عثمانيا نفته السلطات البريطانية من مصر إلى إسبانيا عام 1916، حيث تقطعت به السبل هناك، حيث كان يفتقد إلى الأموال التي تعينه غلى العودة إلى السويد وفي الأول من أكتوبر صدم وهو يعبر شريط قطار سكة حديدة خارج برشلونة، وبعد وفاته، حرص الأمير يوجين برنادوت الذي كان يعرف باسم راعي الفنانين، على إعادة لوحاته وممتلكاته إلى السويد.


نال أجيلي الإعجاب في السويد باعتباره رسام معاصر جدير بالاحتفاء، توجد معظم لوحاته في كل من المتحف القومي السويدي للفنون الجميلة، ومتحف الفن الحديث، ومتحف أجيلي في سالا. وقد نال شهرة واسعة عام 1969 لدى الاحتفال بمئوية مولده، حيث قامت هيئة البريد السويدية بإصدار 6 من لوحاته كطوابع بريدية. وقد ظلت بقايا أجيلي في برشلونة إلى عام 1981، حيث نقل رفاته، إلى السويد في ذلك العام، وأعيد دفنه وفقا للشعائر الإسلامية في بلدته سالا. ويحتوي متحف أجيلي في سالا على معظم أعماله الفنية، والتي تبرع بها الطبيب المعروف في سالا كارل فريبورج للمتحف الوطني.


طوال مسيرة حياته القصيرة (48 عام)، صاحب إيفان الاهتمام العميق بالفن ممارسة ونقدا، والاهتمام بتعلم لغات الشرق والاهتمام بالأديان، أما اهتمامه بالفن فظاهر جلي أبرزته المتاحف السويدية. أما اهتمامه باللغات وعلى رأسها العربية فيبينه حرصه على تعلمها خلال سجنه القصير، حيث بعث لصديق له يطلب منه قاموس عربي، قائلا له: كم آسف على أنني قضيت شبابي أفعل أشياء أخرى غير دراسة العربية، إنها ليست لغة كسائر اللغات، إنها وسيلة للتفكير في العالم"، وكما قال المؤرخون فإنه قضى عام 1895 (بعد عودته من زيارته الأولى لمصر) يدرس اللغات الشرقية بكثافة: السنسكريتية، والهندوستانية، والمصرية والإثيوبية، وكما قيل فقد تميز أجيلي بمهارة لغوية فائقة وشهية شرهة لتعلم جميع أنواع اللغات، أما المؤرخ السويدي أكسين جوفين فيقول في دراسته المطولة عن إيفان: أن "الدراسات اللغوية لم تكن غاية في حد ذاتها، بل إنها كانت مجرد طريق لفهم هذا الدين الرائع، وهذا الشعب الخلاب، والذي على الرغم من سماتهم الأقل تعاطفا، تشعرك بانجذاب نحوه"، ويشير مؤرخ آخر علق على كتاب جوفين قائلا أن إيفان قد تمكن من اللغة العربية الكلاسيكية وأن خط يده كان كما لو كان عربيا أصيلا. 


أما اهتمامه بالأديان فيعود إلى المراحل المبكرة من حياته التي درس فيها كتابات سويدنبرج حول التصوف، يقول في رسالة له بعثها لماري هوت من مصر: هناك ثلاثة أشخاص يجب أن أشكرهم لحياتي الداخلية وإيماني، أولهم سويدنبرج الذي أعطاني التنشئة الصوفية التي ساعدتني في الدفاع عن نفسي ضد البروتستانتية والجرمانية، وأنت التي أعطيتني القلب المحب بشكل عام، ومحي الدين بن عربي الذي أطلق سراحي من العنف، الذي أعطاني الوضوح العالمي من خلال الحكمة والاعتدال والقوة، هذا الرجل هو ليوناردو الفلسفة".


كان سوينبرج عالما كبيرا صوفي، وفيلسوف ولاهوتي ولد عام 1688، والذي توصل خلال رحلته الفكرية والروحية العميقة إلى رمزية كل شيء في الكون والذي يعد رسالة روحية تنعكس منها الأنوار الإلهية، كما توصل إلى إنكار بنوة المسيح لله، وإلى إنكار عقيدة التثليث، ومن ثم ليس عجيبا أن نقرأ في رسالة من رسائل أجيلي من سجنه إلى أحد أصدقائه قائلا أن: التوحيد هو جوهر الإيمان المسيحي، وكمفهوم أساسي فإن علينا أن نعترف بأن المسلمين هم أكثر مسيحية من المؤمنين بالمسيحية اليوم". أما عن ابن عربي، فيقول أجيلي في رسالة منه للسيدة هوت كتبها من مصر عام 1907: لقد ترجمت الآن مقالاتي عن ابن عربي إلى العربية..هناك القليل من الناس في عصرنا الذين يفهمونه، وأعترف بأنني فهمت تماما أفكاره، ولكن بطريقة جديدة كليا، لقد التقيت هنا بعدد كبير من تلاميذه في جميع فئات المجتمع، وهم جميعا مثيرون للاهتمام بشدة".


إيفان أو عبد الهادي أجيلي تشبه حياته بالنسبة لي حياة الشهب اللامعة التي تبرق سريعا في سماء البشر، والتي تحمل في داخلها الكثير من النور والنار أو الوهج الأخاذ الذي تحركها، لكنها شهب لا تلبث أن تمرق في الأفق إلى نهاية رحلتها..حياته شغف ونهم معرفي وشوق روحي وشخصية حرة تتمرد على القيود، وتسعى إلى بلوغ المنتهى في المعرفة والإشباع الروحي وفي التعبير عن هذا وذاك فنا وكتابة وتشخيصا لكل ما يؤمن به في حياته العملية..


الوسوم:
التالي
هذا هو أحدث مقال.
السابق
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *