جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

مال وأعمال

كورونا المستجد.. وشطحات "رأسماليي الكوارث"



كورونا المستجد.. وشطحات رأسماليي الكوارث



كورونا المستجد.. وشطحات "رأسماليي الكوارث"







ستارة عيون الليل قبل أن يجيء ضوء النهار، وستارة نفوس البشر قبل أن تنطق ألسنتها بخفاياها كاشفةً حقيقة مَن "يبتغون المجد والصوت والمال ولذات الحياة، ويسلكون إلى هذا كله أيسر السبل وأسهلها، لا يعوقهم عنه عائق ولا يمنعهم منه مانع.

في جمهوريته التي اعتلت فيها الإنسانية مدينته الفاضلة، يحذر "أفلاطون" من نزعة حب الثروة التي تتملك "ابن الأرستقراطي" وتغريه بالابتعاد عن اقتفاء أثر والده ومسلكه الشريف، واستسلامه لـ"حب الربح" بصورة تقسم المجتمع إلى فئتين (غني وفقير) يبغض أحدهما الآخر ويكيد له.

ويذهب "أفلاطون" إلى أن "حرية التملك ليست حرية مطلقة، وأنه لا بد من تدخل الدولة لمنع الثراء الفاحش ومنع الفقر المدقع على حدٍّ سواء"، مشددًا على أن "الفقر المدقع والثروة المفرطة شر عظيم، وأن العدل أساس الملك، وأن الفضيلة قوام الدولة، وأن أساس الفضيلة هو التربية والتعليم ووضع مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد، وأن الحكم فن يحتاج إلى خبراء مدربين، وأن الصالحين لا يحتاجون إلى قوانين ليتصرفوا بمسؤولية، وأن السيئين سيجدون طريقة للالتفاف حول القوانين".

عبارات جسدت (في كثير منها) جزءًا مما تحتاجه مجتمعاتنا العربية في ظل تفشي "جائحة كورونا المستجد"، التي عرَّت دهاليز الصراع الشرس بين "ابن الأرستقراطي" الباحث عن "الربح" مهما كان ثمنه و"ابن الفقير" الحالم بـ"الستر حتى لو كان قليلًا"، وكأنها جاءت لتعري لغة أهل الثروة الباحثين عن أي قطعة لحم ملقاة على قارعة الطريق، بصورة تستوجب تدخل "أهل الحكم لحماية الاقتصاد من بوابة الحفاظ على الصحة العامة في المستقبل"، وفق تعليق نشرته دورية "نيتشر-ميديسن" (Nature Medicine).

يوضح التعليق، الذي كتبه الباحثان "مارتن ماكي" –الباحث في مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة- و"ديفيد ستاكلر" -المتخصص في الديناميات الاجتماعية والسياسة العامة في جامعة "بوكوني" الإيطالية- أنه "ينبغي على قادة العالم التحرك الآن لإنقاذ حياة البشر، التي يجب أن تحتل المرتبة الأولى في قائمة أولوياتهم؛ لتجنُّب العواقب الصحية الوخيمة التي تتسبب فيها الأزمة الاقتصادية الناجمة عن وباء كورونا المستجد في المستقبل".

تتقهقر لغة الاقتصاد إذًا أمام تهديد كينونة الوجود البشري، قد تكون الخسائر الاقتصادية جسيمة، وقد تزداد جسامةً في الفترة القادمة، وقد نشهد انهيارات متتابعة لمؤسسات وشركات كبرى، وقد تفلس دول وتتفكك مؤسسات أممية أو إقليمية، لكن الحل الجذري لحماية الاقتصاد سيكون مرهونًا بحماية الأرواح والاستثمار في الصحة العامة "أولًا".

لطالما حلم الرئيس الأمريكي الراحل هاري ترومان بـ"فريق اقتصادي يعطي نصيحةً واحدةً لا لبس فيها بعيدًا عن اللعب على وتر تقديم نصائح ملتبسة تترنح بين رأي وآخر"، وهو الحلم الذي يبدو أن أزمة "كوفيد 19" ربما حققته؛ إذ يُجمع الاقتصاديون الأكاديميون على جانبي المحيط الأطلسي على دعمهم لإجراءات الإغلاق الكامل التي تتخذها الحكومات لوقف انتشار الفيروس، على الرغم من التكاليف الاقتصادية الضخمة لفعل ذلك، والتي دفعت عشرة ملايين أمريكي للتقدم بطلبات للحصول على تأمين ضد البطالة.

ويشير تقرير نشرته دورية "ساينس"، نقلًا عن مجلة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، إلى أن "مثل هذا الإغلاق لمدة عام -حتى يظهر لقاح فعال ضد الفيروس- قد يؤدي إلى انكماش الاقتصاد الأمريكي بنسبة 22% بتكلفة تبلغ 4.2 تريليونات دولار، لكن التراجع عن احتواء الأوبئة والجوائح مثل كورونا المستجد قد يؤدي إلى تراجُع أقل في نسبة الانكماش الاقتصادي بحيث يبلغ 7% فقط، لكنه سيؤدي في الوقت ذاته إلى خسائر قيمتها 6.1 تريليونات دولار على المدى الطويل في ظل تزايُد احتمالات ارتفاع عدد الوفيات إلى 500 ألف شخص، وارتفاع معدلات الإقدام على الانتحار، إذ تشير الأرقام إلى أن معدلات الانتحار زادت في المجتمع الأمريكي بمقدار 4750 حالة في غضون السنوات الثلاث التالية للأزمة المالية العالمية التي انفجرت في سبتمبر 2008".

يقول الباحثان: على الرغم من أن الجائحة الحالية أزمة صحية في الأساس، لكنها أصبحت مشكلة اقتصادية كبيرة أيضًا، والتدهور الاقتصادي في حد ذاته له تأثير ضار على الصحة؛ لأنه يتسبب مستقبلًا في انخفاض التمويل الحكومي وخفض الاستثمار في أبحاث الصحة العامة، ويحد من قدرات الأسر على الانخراط في أنشطة تعزيز الصحة".

ويشدد الباحثان على أن "الأولوية الأولى لأيّ حكومة تتمثل في إنقاذ الأرواح بأسرع وقت وبأكبر قدر ممكن من الفاعلية، واتخاذ التدابير اللازمة لإنعاش الاقتصاد وحماية أولئك الذين يواجهون مخاطر مالية، ومساعدة الشركات الصغيرة حتى تتمكن من إعادة التشغيل حين ينتعش الاقتصاد".

وحذر الباحثان من أنه "على مدار التاريخ، شجعت الأزمات ظهور المستفيدين، ما يُلزم الحكومات التصدي للمضاربات الضارة في الأسواق المالية ووضع تدابير للحماية من رأسمالية الكوارث"، مؤكدين أن "جائحة كوفيد 19 قد تكون نقطة تحوُّل على طريق استعادة الثقة في العلم والتقريب بين الناس وسماع أصوات العلماء والمتخصصين في الرعاية الصحية".

يهذب الباحثان إذًا شطحات رجال الأعمال من "رأسماليي الكوارث"، راسمَين حدودًا فاصلة بين شهوة "حب الربح" و"حق الآخرين في الحياة" حتى لو لم تتوَّج رؤوسهم بتيجان "أهل الثروة"، وأن "الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف"، على حد وصف الكاتب الكولومبي الراحل ماركيز.

المصدر: هانى زايد نقلا عن: scientificamerican.com



الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *