جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

ثقافة وفنون

المغفلة.. ما أبشع أن تكون ضعيفًا في دنيا الناس.. رائعة "أنطون تشيخوف"

المغفلة.. ما أبشع أن تكون ضعيفًا في دنيا الناس.. رائعة "أنطون تشيخوف"


المغفلة.. ما أبشع أن تكون ضعيفًا في دنيا الناس.. رائعة أنطون تشيخوف



تعد قصة «المغفلة» للروائي الروسي الشهير أنطون تشيخوف (1860 – 1904)، واحدة من روائع الأديب الروسي، المغفلة هي حكاية كل عاجز ومستكين، القصة تمثل الشعوب «المغفلة» التي تُسرق أقواتها ومقدراتها ثم تهتف بحياة جلاديها وناهبيها.

يتصور البعض أن صنع الثورات يبدأ من حيث بدأنا في مصر، ولكن قصة «المغفلة» تقول لنا وتعلمنا أن الثورة لا بد وأن يسبقها مرحلة وعي ثوري، وتشيخوف ساهم في التوعية، ومن ثم جاءت الثورة في بلاده، وذلك من خلال أدبه وروايته التي شجعت على رفض الظلم.
قصة «المغفلة» تقوم على نظرية مفهوم الصراع الطبقي الذي يكون ملازمًا لحتمية سنن الله تبارك وتعالى في التغيير.

لو تمعنا النظر في القصة فلن نجد ثمة فرق بين من يقبل الظلم والضيم من «حاكمه»، بحجة قلة الحيلة، وبين تلك «المغفلة» التي تحدثنا عنها قصة تشيخوف؛ فالمبدأ واحد.

تشيخوف يتساءل من خلال المغفلة: «أترضيكم هذه الحياة الوضيعة، لم لا تنتزعون كرامتكم؟ هل يمكن أن نكون عاجزين لهذه الدرجة؟ لماذا لا نحتج؟ لماذا نصمت؟ هل يمكن في دنيا الناس ألا تكون حاد الأنياب؟ هل يمكن أن تكون مغفلًا إلى هذه الدرجة؟».

قصة «المغفلة» صرخة في وجه كل مستكين يقبل بالضيم، وينزل على رأي الفسدة.

يذكر أن تشيخوف قد بدأ الكتابة عندما كان طالبًا في كلية الطب في جامعة موسكو، ولم يترك الكتابة حتى أصبح من أعظم الأدباء، واستمرّ أيضًا في مهنة الطب، وكان يقول: «إن الطب هو زوجتي والأدب عشيقتي».

ذم القرآن للشعوب المطيعة للطغاة
جوهر «المغفلة» يتفق مع تعاليم الإسلام التي ترفض الظلم والخنوع، فلم يقصر القرآن الكريم حملته على الطغاة المتألهين وحدهم، بل أشرك معهم أقوامهم وشعوبهم الذين اتبعوا أمرهم، وساروا في ركابهم، وأسلموا لهم أزمتهم، وحملهم المسئولية معهم.

يقول -عز وجل- عن قوم نوح: «قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا» (نوح الآية: 21)، ويقول -عز وجل- عن عاد قوم هود: «وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد» (هود الآية: 59)، ويقول -عز وجل- عن قوم فرعون: «فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين» (الزخرف الآية: 54)، وقال عز وجل: «إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود» (هود الآية: 98).

لقد حمل القرآن الكريم الشعوب المسئولية أو جزءًا منها؛ لأنها هي التي تصنع الفراعنة والطغاة، وهو ما يعبر عنه عامة الناس في أمثالهم حين قالوا: قيل لفرعون: ما فرعنك؟ قال: لم أجد أحدًا يردني!







وأخيرًا إلى نص القصة:
منذ أيام دعوتُ إلى غرفة مكتبي مربّية أولادي «يوليا فاسيليفنا»؛ لكي أدفع لها حسابها.

– قلت لها: اجلسي يا يوليا، هيّا نتحاسب، أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة إلى درجة أنك لن تطلبينها بنفسك. حسنًا، لقد اتفقنا على أن أدفع لك «ثلاثين روبلًا» في الشهر.

قالت: أربعين.

قلت: كلا، ثلاثين، هذا مسجل عندي. كنت دائمًا أدفع للمربيات «ثلاثين روبلًا».
– حسنًا.

– لقد عملت لدينا شهرين.

قالت: شهرين وخمسة أيام

قلت: شهرين بالضبط، هذا مسجل عندي. إذن تستحقين (ستين روبلًا).
نخصم منها تسعة أيام آحاد، فأنت لم تعلّمي «كوليا» في أيام الآحاد؛ بل كنت تتنزهين معهم فقط. ثم ثلاثة أيام أعياد.

تضرج وجه «يوليا فاسيليفنا» وعبثت أصابعها بأهداب الفستان، ولكن لم تنبس بكلمة.
واصلتُ..

– نخصم ثلاثة أعياد إذن المجموع «اثنا عشر روبلًا». وكان «كوليا» مريضًا أربعة أيام ولم يكن يدرس، كنت تدرّسين لـ «فاريا» فقط، وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء، إذن اثنا عشر زائد سبعة، تسعة عشر، نخصم، الباقي «واحد وأربعون روبلًا». مضبوط؟

احمرّت عين «يوليا فاسيليفنا» اليسرى وامتلأت بالدمع، وارتعش ذقنها، وسعلت بعصبية وتمخطت، ولكن لم تنبس بكلمة.

قلت: قبيل رأس السنة كسرتِ فنجانًا وطبقًا، نخصم «روبلين»، الفنجان أغلى من ذلك فهو موروث، ولكن فليسامحك الله! علينا العوض.

وبسبب تقصيرك تسلق «كوليا» الشجرة ومزق سترته، نخصم عشرة، وبسبب تقصيرك أيضًا سرقتْ الخادمة من «فاريا» حذاء، ومن واجبكِ أن ترعي كل شيء فأنتِ تتقاضين مرتبًا، وهكذا نخصم أيضًا خمسة، وفي 10 يناير أخذتِ مني «عشرة روبلات».
همست «يوليا فاسيليفنا»: لم آخذ.

قلت: ولكن ذلك مسجل عندي.

قالت: حسنًا، ليكن.

واصلتُ: من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين، الباقي أربعة عشر.
امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع، وظهرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل، يا للفتاة المسكينة.

قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرةً واحدةً، أخذت من حرمكم «ثلاثة روبلات». لم آخذ غيرها.

قلت: حقًّا؟ انظري وأنا لم أسجل ذلك! نخصم من الأربعة عشر ثلاثة، الباقي أحد عشر، ها هي نقودك يا عزيزتي! ثلاثة، ثلاثة، ثلاثة، واحد، واحد، تفضلي.

ومددت لها «أحد عشر روبلًا».
فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة، وهمست: شكرًا.
انتفضتُ واقفًا وأخذتُ أروح وأجيء في الغرفة، واستولى عليّ الغضب.

سألتها: شكرًا على ماذا؟

قالت: على النقود.


قلت: يا للشيطان ولكني نهبتك، سلبتك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين شكرًا؟

قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئًا.

قلت: لم يعطوكِ؟! أليس هذا غريبًا؟! لقد مزحتُ معك، لقنتك درسًا قاسيًا.

سأعطيك نقودك، «الثمانين روبلًا» كلها، ها هي في المظروف جهزتها لكِ! ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجّين؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألّا تكوني حادة الأنياب؟ هل يمكن أن تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة؟

– ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها: «يمكن».

– سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، بدهشتها البالغة، «الثمانين روبلًا» كلها؛ فشكرتني بخجل وخرجت.

تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ: ما أبشع أن تكون ضعيفًا في هذه الدنيا.

المصدر: ساسة بوست
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *