جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

مال وأعمال

المسئولية الاجتماعية لمؤسسات الأعمال.. استثمار في الخير الإنساني




المسئولية الاجتماعية لمؤسسات الأعمال.. استثمار في الخير الإنساني



في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة عالمياً خلال العقود الماضية, ومع كثرة الأزمات والكوارث ذات الطابع الدولي, تزايد الاهتمام بمبدأ "المسئولية الاجتماعية" للمؤسسات الاستثمارية ومنظمات قطاع الأعمال, تجاه الفقراء والمعوزين في نطاق المجتمع الذي تعمل فيه، أو على مستوى العالم أجمع.

وخلال العام الماضي، قدم عدد من كبريات الشركات العالمية تبرعات سخية للعديد من المؤسسات الخيرية، ووصل مجموع هذه التبرعات إلى 4.8 مليار دولار. وأظهر المسح السنوي عن الشركات المانحة، الذي أجرته مجلة "فوربس" أن الحصيلة الإجمالية لتلك التبرعات في 2015 ارتفعت بنسبة 2% عن نظيرتها التي تم جمعها عام 2014.

وقام رجل الأعمال الأمريكي الشهير مارك زوكربيرج، مؤسس ورئيس موقع "فيسبوك"، في أغسطس الماضي، بالخطوة الأولى تجاه بيع حصة كبيرة في الشركة من أجل تمويل مبادرة عائلته لمساندة الأعمال الخيرية، فقد باع زوكربيرج أكثر من 760 ألف سهم من أسهم "فيسبوك" التى تقدر قيمتها بنحو 95 مليون دولار لصالح مبادرة "تشان زوكربيرج" للأعمال الخيرية، التي تحمل اسم زوجته، ويخطط الزوجان للتخلي عما تزيد قيمته على مليار دولار من الأسهم في كل عام حتى 2018.

على أي مؤسسة اقتصادية أن تسعى لتكون مقبولة اجتماعياً، من خلال التزامها بقواعد "المسئولية الاجتماعية" نحو المجتمع. وعلى الشركات, وبصفة خاصة المساهمة منها, الإفصاح عن أدائها في مجال "المسئولية المجتمعية" إلى جانب إفصاحها عن قوائمها المالية، نظراً لكون هذا يجعلها أكثر قبولاً في المجتمع ومن ثم تكون قدوة لمثيلاتها من الشركات.

والمسئولية الاجتماعية لمؤسسات الأعمال هي - ببساطة- التـزام المنشـأة تجـاه المجتمـع الـذي تعمـل فيـه، عن طريق المسـاهمة بمجموعـة مـن الأنشـطة الإنسانية، مثـل محاربـة الفقـر وتحسـين الخدمـة ومكافحـة التلـوث وخلـق فـرص عمـل وحـل مشـكلة الإسـكان والمواصـلات وغيرها،  كما أنها - فوق ذلك- التزام متواصل من قبل قطاع الأعمال في التنمية المجتمعية يتجاوز حدود الأعمال الخيرية.

وهذه المسؤولية المجتمعية للشركات وقطاع الأعمال, ليست عملا طوعيا فقط، ويجب ألا تُفهم على أنها مجرد "إعانات" فقط، بل هي إحدى واجبات والتزامات قطاع الأعمال تجاه مجتمعها وتجاه الإنسانية جمعاء. ويجب ألا تقتصر هذه المسؤولية أو يتم "تقزيمها" على شكل صدقات، أو عبر المساهمة في دعم فريق رياضي أو حفل فني أو تنظيم نشاطات اجتماعية، فهذه هي الأشكال البدائية للمسؤولية الاجتماعية، لأن المفهوم أعم وأشمل وأعمق من ذلك بكثير.

والأمر ليس بجديد، فهناك أكثر من جهة دولية شاركت في تحديد مفهوم المسئولية الاجتماعية للشركات والمؤسسات الاقتصادية ودعمت تطبيقه منذ سنوات، حيث ناقشت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الاستثنائية التي عقدت في جنيف عام 2001م مشروع "المبادرات الاجتماعية للشركات لمواجهة الفقر".

وأطلق كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، مبادرة خاصة بتفعيل الدور الاجتماعي للشركات وقد صدر على هيئة تقرير سُمى بـ "الاتفاق العالمي"، تضمّن المبادئ الإرشادية لدعم المسئولية الاجتماعي للشركات, والسعي إلى تحقيق معايير دولية لسلوك الشركات في الاقتصاد العالمي. ركزت على مكافحة الفقر.
وفى الإطار ذاته، عرّف الاتحاد الأوربي المسئولية الاجتماعية لقطاع الأعمال بأنها "سلوك تقوم على أساسه الشركات بتضمين الاعتبارات الاجتماعية والبيئية في أنشطتها وفى تفاعلها مع أصحاب المصالح بشكل طوعي"، فيما عرّفها "البنك الدولي" بأنها "التزام أصحاب الأنشطة الاقتصادية بالمساهمة وبدوافع شخصية في عملية التنمية المستدامة, من خلال العمل مع مكونات المجتمع المحلي لتحسين مستوي معيشة الناس بما يخدم الاقتصاد والتنمية معاً".

ومن الضروري أن نفرق بين اتجاهين لمفهوم المسئولية الاجتماعية، فهناك اتجاه يرى ضرورة وجود إطار تنظيمي للمسئولية الاجتماعية، بحيث يتم إلزام الشركات والمنظمات الاقتصادية بضوابط تنظيمية من قبل الدولة من خلال تعليمات ومواثيق مثلما يحدث في ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا.

أما الاتجاه الثاني، فينظر إلى المسئولية الاجتماعية على أنها نشاط طوعي لا يتطلب قوانين أو ضوابط محددة تلزم الشركات بمسئوليتها نحو المجتمع, لكون المسألة عملاً تطوعياً في المقام الأول, وأن وضع ضوابط تنظيمية لها من شأنه أن يؤدى إلى المزيد من الروتين, إضافة إلى أن وضع القواعد والضوابط يجعل الشركات تلتزم بما هو مطلوب منها فقط دون زيادة.
ومن جانبنا، نرى أن للمسئولية الاجتماعية لها مستويين, الأول إلزامي مثل دفع الضرائب, التأمين على العمال، وخلافه، أما المستوى الثاني فهو دعم الأعمال الخيرية, والمساهمة في البحث والتطوير, ورعاية مبادرات, ورعاية المنظمات الإنسانية، إلى آخر ذلك.

مبادئ المسئولية الاجتماعية
لعل من أهم مبادئ المسئولية الاجتماعية للشركات, إدارة الأنشطة والأعمال وفق أسس وقواعد أخلاقية، مع التبرع للمؤسسات والمنظمات الخيرية والإنسانية وتقديم الإعانات للفقراء ومساعدتهم, وإقامة معاهد تعليم وتدريب وتقديم منح دراسية, وإعانات في المجالات الصحية والثقافية، وفى حالات الكوارث.

وهناك مجموعة من المعايير لقياس مدى أو حجم المسئولية الاجتماعية لمؤسسات الأعمال، منها مدى الاستثمار في البحث والتطوير ومدى الالتزام تجاه حماية البيئة والمحافظة عليها, ومدى الاندماج في المجتمع والمساهمة في التنمية المجتمعية ومدى احترام حقوق الإنسان ومراعاة القواعد الأخلاقية، أي عدم التورط في الرشوة والفساد، وسواها.

كما أن هناك معايير دولية لقياس المسؤولية الاجتماعية للشركات مثل شهادة "الأيزو 26000" التي تشمل المجالات التالية: حقوق الإنسان، الحقوق العمالية وممارسات العمل، حماية البيئة، حقوق المستهلك، التنمية والمشاركة المجتمعية.

إذن، للمسئولية الاجتماعية جوانب ومجالات متعددة، إنسانية, أخلاقية, اقتصادية, قانونية, وما هي إلا طريقة للمؤسسات تضفى الصبغة الأخلاقية والإنسانية على أنشطتها، بحيث تكون القضايا الاجتماعية والإنسانية والبيئية جزءاً من سياساتها وممارساتها.

ولعل من المفيد تطوير مفهوم "المسؤولية الاجتماعية" من مجرد أعمال خيرية وإنسانية إلى نشاطات أكثر شمولاً, تتناول العاملين والمستهلكين والبيئة والمجتمع. فليس مطلوباً من قطاع الأعمال الإحسان إلى الفقراء فقط, بل المطلوب هو خلق كيانات خيرية خاصة وتخصيص ميزانيات محددة لها، أو بمعنى آخر إضفاء الصبغة المؤسساتية على الأنشطة المجتمعية لقطاع الأعمال، بدلاً من "شخصنة" الأنشطة الخيرية والإنسانية من قبل غالبية الشركات العالمية، أي ربطها بشخص مؤسس الشركة، كما هو الحال مع "فيسبوك"، وبالتالي ضمان استمراريتها في تأدية هذه الخدمات الإنسانية.

وفى الختام، ثمة نقطة محورية يجب الإشارة إليها، ألا وهى دور الدولة في تشجيع قطاع الأعمال على القيام بمسئولياته الاجتماعية, فعلى الدولة أن تعمل على ابتكار وتوفير كل أشكال تحفيز للشركات، وذلك من خلال حوافز ضريبية, تعاقدات حكومية, حوافز معنوية, بهدف تحفيز التنافس بين الشركات في مجال المسؤولية المجتمعية.

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *