جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

تنمية بشرية

تعزيز "ثقافة العمل الإنساني"

تعزيز "ثقافة العمل الإنساني"


تعزيز "ثقافة العمل الإنساني"


على الرغم من أن العمل الإنساني من أعراف المجتمع العربي الأصيلة، وواحد من أبرز القيم الرفيعة التي يحض عليها ديننا الإسلامي الحنيف، إلا أنه لم يرق حتى الآن إلى أن يكون ثقافة مجتمعية عامة، حيث ما يزال محصورا في نطاق محدود بعدد من المؤسسات العاملة في هذا المجال، ومرتبطا في غالب الأحوال بالمناسبات، رغم أن الكوارث الإنسانية التي تعانيها دول عربية منذ بضع سنوات لم تأت فرادى، بل جاءت كـ "المصائب" في شكل جماعي. ومثل هذا الظرف العصيب يوجب العمل على تعزيز "ثقافة العمل الإنساني" بكل السبل، ويطرح تساؤلاً مشروعا حول أسباب انحسار هذه الثقافة، على المستوى العربي.

والواقع أن كل المجتمعات بحاجة ماسة إلى أن تكون ثقافة "ثقافة العمل الإنساني" فيها أوسع انتشارا، لكن توسعها لا يمكن أن يعتمد على بعض المبادرات الفردية التي تقوم هنا وهناك، لأن الأمر يحتاج إلى تكامل في إطار هذه العملية بين المدرسة والبيت والمسجد والبيئة العامة، لتوفير بيئة جيدة لهذا العمل الإنساني.

التجربة البريطانية
نشأ العمل الإنساني منذ أدرك إنسان العصور الأولى من التاريخ القديم حاجته للآخرين، وللتعاون معهم في تحقيق حاجاته الأساسية مثل: ضرورة البقاء، وتحقيق الحماية من الأخطار والحيوانات المفترسة، وتحقيق الأمن من خلال الانتماء لجماعة، وتأمين الغذاء والماء والمسكن، وخلافه.

وتُظهر المخطوطات الفرعونية أن اعتقاد المصريين القدماء في "الثواب والعقاب" في الآخرة، دفعهم إلى تسجيل أعمالهم الحسنة. ومن خلال الصور والرسوم على جدران معابد الفراعنة وقبورهم، نلحظ اهتمامهم بمساعدة الفقراء، إذ يقدم الناس تبرعاتهم للمحتاجين، وتتلقى المعابد المساعدات والتبرعات من محاصيل الأرض، ومنتجات الماشية، لتوزيعها على الفقراء بمعرفة الكهنة.

كما تتضمن المخطوطات الصينية الدينية القديمة نداءات لتقديم المساعدة والعون للعجزة والمسنين والبؤساء والأرامل والأيتام والمرضى. وكان أباطرة الصين يسارعون في إظهار مدى شفقتهم ورحمتهم من خلال تقديم المساعدة المباشرة للمحتاجين.
أما ديننا الإسلامي الخاتم، فهو أكثر الأديان السماوية حضاً على إعلاء شأن العمل الخيري الإنساني، وعلى التعاون والمحبة وبذل العطاء السخي للمسلم وغير المسلم.

وقد وردت في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تدعو للعطاء من منظور إنساني بحت، منها قوله تعالى في سورة البقرة: (ليْسَ الْبِر أَن تُوَلواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِن الْبِر مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنبِيينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السبِيلِ وَالسائِلِينَ وَفِي الرقَاب).

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله عباداً اختصهم لقضاء حوائج الناس، حببهم للخير وحبب الخير إليهم، أولئك الناجون من عذاب يوم القيامة"؛ "لأن تغدو مع أخيك فتقضي له حاجته خير من أن تصلي في مسجدي هذا مائة ركعة".
وتطورت ثقافة العمل الإنساني عبر العصور من تعاضد غير منظم، إلى مفهوم أخلاقي، ومن ثمّ إلى مفهوم مجتمعي يمثل نشاطاً مدنياً بات قطاعا مستقلاً تتناوله الدراسات والخطط التنظيمية، وتربطه بقيم "المواطنة والمجتمع المدني ومفاهيم التنمية".

ومع تطور المجتمعات الحديثة، وتطور مناحي الحياة وتعقد مشاكلها، ومع ظهور التقنيات المتقدمة والحروب، وما نجم عنها من مخلفات وكوارث على المجتمعات، بات لمفهوم العمل الإنساني انتشاراً أوسع من مجرد كونه مبادرة فردية، أو مبادرة جماعية تمارس من خلال مؤسسات إغاثية أو دينية أو اجتماعية، وظهرت الحاجة إلى نشر هذه الثقافة على أوسع نطاق، في المدارس والجامعات وداخل مؤسسات الأعمال المنتجة، لكي تصبح توجهاً عاما للمجتمع برمته.

والتجربة البريطانية من أنجح التجارب في هذا الصدد، فهناك 22 مليون شخص يشاركون في الأعمال الإنسانية التطوعية بشكل رسمي كل عام في المملكة المتحدة، وتبلغ ساعات العمل التطوعي الرسمي 90 مليون ساعة أسبوعياً، وتُقدر القيمة الاقتصادية للتطوع الرسمي بـ 40 مليار جنيه إسترليني سنويا.
وما كان لبلد مثل بريطانيا أن يحقق هذه الانجازات على صعيد العمل الإنساني لولا وجود برامج لتعميق قيم وثقافة العمل التطوعي في المجتمع، من خلال وضع مناهج وبرامج مدرسية تهدف إلى تعميق هذه الثقافة لدى التلاميذ والطلبة في المدارس الحكومية والخاصة.

ومن الأفكار الجميلة التي تُطبق في عموم المدارس الابتدائية البريطانية، تخصيص يوم معين لكي يأتي الأطفال ببعض المبالغ البسيطة من ذويهم كتبرعات لصالح الجمعيات الخيرية، أو لحساب حملة خيرية معينة لإغاثة منكوبي حدث معين. وفي بعض الأحيان تخصص المدرسة يوما تسمح فيه لتلاميذها تتيح له خلاله ارتداء زي حر خلافا للزي الموحد المعمول به، في مقابل أن يأتي الطفل ببعض التبرعات من ذويه.
بحثاً عن "تجربة عربية"
هناك الكثير مما يمكن للمؤسسات التعليمية العربية القيام به على صعيد تأسيس ثقافة العمل الإنساني وتنميتها، بدءاً من مرحلة رياض الأطفال حيث يكون تقبلهم لما يرون ويسمعون كبيراً، هنا يُدرّب الطفل أولاً على روح المشاركة والشعور بالآخرين من خلال الألعاب الجماعية، ثم تأتي المرحلة الابتدائية حيث يتم تدريب التلاميذ على العمل التطوعي من خلال المساعدة في غرس الأشجار وسقايتها والعناية بها، وكذلك الإسهام في نظافة المدارس والقيام بحملات جمع تبرعات لدعم بعض المشروعات داخل المدرسة ، من أجل غرس قيم العمل الإنساني في نفوس الطلاب، بما يدعم لديهم صفات نبيلة كالبذل والعطاء والإيثار وحب الخير للناس جميعاً.

ومن المهم على هذا الصعيد، إثراء بعض المناهج الدراسية بأخبار بعض المتطوعين في الأنشطة الإنسانية، الإقليمية والدولية، وإلقاء الضوء على عمل بعض المنظمات الإغاثية في الداخل والخارج، كما ينبغي حث الطلاب على الانخراط في المؤسسات التطوعية القائمة في البلاد، ويتم تدريب المتطوعين على أعمال الإغاثة، وعلى الأنشطة الوطنية في مواجهة الكوارث، والأحداث الكبرى الطارئة، بالإضافة إلى كتابة بحوث عن الخبرات الإغاثية في العالم، وبحوث عن المشكلات التي تواجه العمل الإنساني، وما شابه ذلك.
ومن جانبها، تستطيع الجامعات أن تقوم بدور مهم في تعميم ثقافة العمل الإنساني من خلال العديد من الإجراءات والتنظيمات. وعلى سبيل المثال يمكن للكليات التي يدرس طلابها سنة تحضيرية، أن تجعل أداء ساعات محددة من العمل التطوعي أسبوعياً جزءاً من المنهج الدراسي.
كما تستطيع بعض الكليات أن تشرط للقبول فيها تقديم الطالب شهادة تثبت أنه تطوع في أداء أعمال إنسانية تنسجم مع طبيعة تخصصاتها، كما هو الشأن في كليات مثل "الطب والاجتماع"، وهذا معمول به في كثير من الجامعات العالمية الكبرى.


الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *