جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

منوعات

دراسة أكاديمية عن أساليب المراوغة الشعبية.. ثقافة التحايل هي الابنة الشرعية للقهر والظلم

دراسة أكاديمية عن أساليب المراوغة الشعبية.. ثقافة التحايل هي الابنة الشرعية للقهر والظلم

دراسة أكاديمية عن أساليب المراوغة الشعبية.. ثقافة التحايل هي الابنة الشرعية للقهر والظلم 


يقول الشاعر العربي "لكل امرئ فيما يحاول مذهب" في حياتنا المعاصرة هناك من يحاول جاهداً أن يتلاءم مع ظروفه ، وهناك من يسعى إلى التلاؤم عليها !
هذا النوع الأخير (اللؤم) هو نتاج طبيعي لثقافة التحايل والمداهنة والتملق، وهو "علم" قائم بذاته في أيامنا هذه، يقول الشاعر الراحل صلاح جاهين "علم اللوع أضخم كتاب في الأرض ، لكن من يغلط مصيره الأرض" أي أن من يخطئ في هذا العلم سيكون مصيره هو السقوط على الأرض .
تقول الدكتورة هناء الجوهري: إن التحايل بوصفة "البراجماتي" أي النفعي، ظاهرة مركبة, شأنها شأن أي ظاهرة ثقافية إنسانية . ففيه من المقاومة قدر من الوعي بالظلم الواقع على الشخص القائم بالتحايل, وفيه من رفض هذا المتحايل لواقعه, ثم فيه من الإيجابية ما يدفع هذا المظلوم إلي ممارسة السلوكيات وتبني الأفكار المراوغة , وهو سلوك يتخذ صوراً فردية كما يتخذ صوراً جماعية .
والتحايل فيه من التكيف: قدر من تجاهل الطرف الآخر " الظالم " ( هيئاته الرسمية, , أو شبه الرسمية , وإجراءاته القانونية والنظامية و سواها كما أن فيه من التكيف قدراً من المرونة , و الانتهازية وبعض الممارسات السلبية أحياناً, كالبلطجة والشغب.. إلخ..عندما تقتضى الضرورة . وفيه من التكيف , الاستخدام الدؤوب للآليات الاجتماعية – خاصة القانونية- التي تُعين على تحقيق الهدف وتضمن شيئاً من المزايا أو المكاسب فضلاً عن التكيف بقبول التهميش , والرضا بالعمل والتفكير من هذا المواقع.
تضيف د.الجوهري: تظهر ثقافة التحايل في مواجهة القهر أو وضع اجتماعي أو قانوني مرفوض ولا يمكن مقاومته والتصدي له, وفي مواجهة ذلك لابد أن يبتكر بعض أفراد المجتمع فنون المداراة والمجاملة والتملق.والمداراة خطوة أولي تحاول استجلاب رضاء الظالم ومسايرته وتمرير الموقف الصعب الذي يستدعي المواجهة . أما المجاملة فهي سلوك أكثر إيجابية في اتجاه كسب رضاء ذلك الظالم أو المتحكم. ويمثل كل من التملق والممالأة والإطراء خطوات أبعد على نفس الطريق.
الخضوع .. رجولة !
من جهته يؤكد الدكتور سيد عشماوي في دراسته ( سخرية الرفض وتهكم الاحتجاج...) أن أدبيات العصر العثماني تزخر بتراث مستتر, بعضه عبارة عن حوار فكري بين ظروف القهر والظلم والرغبة في العدل , هذا الحوار يوجهه أحد الأطراف تعبيراً عن موقف حواري مع آخر, أشبه ما يكون بعملية المثل الدارج : " الخضوع عند الحاجة رجولة" .فقد أكد علماء هذا العصر على ضرورة السلامة في مداراة الناس وحسن الانطباع بلطف الإيناس, وأن يكون الشخص متنقلاً في أطوارهم دائراً تحت فلك أدوارهم.
ويحكي المفكر المصري الراحل أحمد أمين عن براعة المصريين في إتقان فنون المداراة حيث يورد حكاية مشهورة عن سيد سأل طاهيه : ماذا تطبخ لنا اليوم ؟ قال له: أمرك!
قال له: ماذا تقول في الباذنجان؟ قال له: ما شاء الله! حلو لذيذ الطعم, وظل يمدح فيه زمناً طويلاً . ثم قال له سيده : ولكنه حارّ يعطش, فأخذ الطاهي يذمه أيضاً. قال له السيد: إنك كنت تمدحه الآن ، فقال الطاهي: أنا خادم للباذنجان أم لك ؟

وقال شاعرهم:
ودارهم مادمت في دارهم        وحيّهم مادمت في حيّهم
وأحسن العشرة مع بعضهم       يعينك البعض على كلهم

ويلفت أحمد أمين نظرنا إلي كثرة ألفاظ الملق والنفاق في اللغة الشعبية ، وهي ظاهرة لفتت نظر كثير من الباحثين من بعده . فمن الألفاظ القديمة التي كانت متداولة في النصف الأول من القرن العشرين: رب البيت, سعادتك, عزتك, خادمكم المطيع, عبدكم, محسوبكم ،وسواها. ومن ألفاظ الملق والنفاق الجارية اليوم: يا "باشمهندس يا باشا, معاليك, جنابك، رهن إشارتك" وغيرها .
ويغذي ممارسات النفاق والتملق انقسام المجتمع إلي جماعات طبقية متباينة في حظها من القوة والثروة ومتباعدة في اتجاهاتها ومشاربها. ومن هنا جاء ولع الإنسان بالألقاب والمناصب, يحكي أحمد أمين كيف أن المصري كان يمكن أن ينفق ثروته كلها( فعلاً!!) من أجل الحصول على لقب . وهو على يقين أنه سوف يستعيدها وأضعافها مرة أخرى بواسطة هذا اللقب.
هذا ما كان بالأمس أما اليوم فتقول هناء الجوهري: ليس من النادر أن تجد مواطناً يبيع أملاكه أو يستدين الملايين ليفوز بعضوية البرلمان . وهو يعلم تمام العلم كيف يعوض ما أنفقه . ولكن الجديد هو الصراع والتقاتل من أجل الفوز بمناصب هي أساساً لخدمة المجتمع وليست للوجاهة أو استغلال النفوذ, مثل عضوية مجالس إدارة النوادي الاجتماعية, أو مجالس النقابات .
السياسة والحداثة
وتنقل لنا الكاتبة دلال البزري في كتابها "السياسة أقوى من الحداثة.. حكايات مصرية معاصرة " لمحة من حديث أحد أعضاء البرلمان المصري عن أهمية "العلاقات" يقول النائب البرلماني: "هذا الاستعداد الذي عندي للواجب (المقصود واجب عزاء أوزيارة مريض) يعود إلى نشأتي منذ صغري .. وهذا ما جعلني مشهوراً في بلاد كثيرة والانتخابات أعطتني شهرة واسعة في الـ26 بلداً التابعة للمركز ، لأنني أيام الانتخابات ألفّ على بيوت كبار العائلات ..وأنا أعرف رؤساء العائلات في البلاد المجاورة وطبعاً عندما يكون هناك واجباً في تلك البلاد أقوم به ..وعندما يحصل عندي ظرف كل الناس تأتي وتعمل واجب عندي .
وكل هذا أثر على علاقاتي ، فأصبح لي علاقات بالكثير من الناس الذين لهم سلطة ونفوذ ، فعندما يأتي واحد من عائلتي يحتاج مصلحة في شئ ما ، أنا طبعاً بعلاقاتي الكثيرة أقدر أن  أنجزها .
ويواصل النائب حديثه قائلاً: العلاقات هذه هي أهم شئ في النظام البيروقراطي لأنه في هذا النظام تأخذ حقك بالتحايل والعلاقات ، أما بالقانون "فحلني" عُقبال ما تأخذ حقك ..هذا لو أخذته أصلاً فالشهرة نفعتني كثيراً في خدمة عائلتي ، وخدمة الناس".
المكر والحيلة عنوان على كثير من ممارسات بعض الأفراد على امتداد التاريخ ، وهي جملة من الأساليب السلوكية والعبارات الكلامية (من أقوال سافرة وسباب ، وتلاعب لفظي) التي تنطلق من روح مقاومة رافضة للظلم والطغيان ولكنها تتوسل بممارسات تكيفية سلبية ، وتلفت نظرنا الباحثة هناء الجوهري إلى أن أغلب الانتفاضات ضد الظلم التي قام بها العامة –على مدى التاريخ- كان يواكبها السلاح المعنوي الخطير : سلاح المكر والحيلة .
ويلاحظ الدكتور عشماوي أن ممارسة أساليب المكر والحيلة تسهم –إلى جانب دورها الانتقامي على الساحة السياسية- في تعويض المظلوم على الصعيد النفسي ، فتمنحه قدراً من التوازن النفسي في ظل ظروف القهر والإحباط المستمر وتحفظ كتب التاريخ الحديث (منذ العصر العثماني وحتى المراحل المعاصرة) وقائع لا حصر لها لجأ فيها أفراد من المصريين إلى .. المساخر والملاعيب والمقالب ، التي تؤكد تفوقهم الذي لا يبارى في هذا المضمار.
ويؤكد لنا ذلك كيف كانت المقاومة بالمكر والحيلة تعتمد على الذكاء اللماح ، وسرعة الخاطر والعلم بأحوال الزمان والمكان والأشخاص ، وشئ من الجرأة ، وقلة الحياء وخفة الروح والقدرة والتمكن والدهاء ، خاصة وقد ارتبطت الأفانين بالأساليب والحيل الخاصة في الحركات والألعاب حتى اللعب بالكلام .
ولم تغب تلك السمة، في المقاومة والتكيف عن كل من تصدوا للكتابة عن حياة المصريين أو تاريخهم ..وقد أوردوا في أقوالهم وكتاباتهم خفة روح المصريين وما امتاز به من حيلة ودهاء ومكر عندما يريد التخلص من الأمور الصعبة التي تواجهه ، ويستند البعض للتأكيد على ذلك بما ورد في كتابات الرحالة الأجانب ، منذ أيام هيرودوت حتى القرن  التاسع عشر ، فالرحالة البيرواني الكسندر مندوزا (من بيرو) ، عندما زار القاهرة عام 1792 وصف ظرف أهلها وكيف يخرجون من الأزمات بالضحك  عليها ومعالجة أمور حياتهم بالفهلوة والتظاهر بما ليس فيهم واللعب أحياناً "بالبيضة والحجر" !
ألاعيب علي الزيبق
ويلاحظ أن معظم الذين أرخو لمصر العثمانية ، قد أوردوا ما كتبه قبلهم المقريزي أو السيوطي صاحب "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة" عن كيد ومكر أهل مصر ، حتى صاروا مضرب المثل فيه بين الأمم ، فابن إياس عندما يتحدث عن "أخلاق أهل مصر وطبائعهم وأمزجتهم وما أشبه ذلك" ينقل عن أبي الصلت قوله: "وعندهم بشاشة وملق ، وعندهم مكر وخداع ، ولهم كيد وحيل" ، وينقل ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما: "المكر عشرة أجزاء ، تسعة منها في القبط (يقصد عموم المصريين آنذاك) وواحد في سائر الناس"  .
والدليل على ذلك نجده في كافة أشكال المأثورات الشعبية وفنون الفرجة والارتجال في النكات والقصص والنوادر والحواديت التي امتلأت بملاعيب وأفانين الشطار والعجائز الماكرات وكثرة الأذكياء والظرفاء في السير الشعبية التي تجسد حلم الجماعة  في العدل والمساواة .
يقول الباحث محمد رجب النجار: وقد ازدهرت حيل "اللصوص" منذ أوائل القرن العاشر الهجري على وجه التحديد ، فشخصية أحمد الدنف التي بدأت في الظهور إبان القرن الرابع الهجري استكملت نموها وتفاصيلها في العصر العثماني ، كما تؤكدها سيرة "علي الزيبق بن حسن رأس الغول" أشهر حكايات الشطار والعيارين في هذه السيرة تعلم الزيبق فنون التنكر المتقن والحيل من تمثيل أدوار أعدائه وتقليد أصواتهم وحركاتهم حتى ليخدع أقرب المقربين إليهم .
وفي هذه السيرة تفوق "الزيبق" على لصوص مصر وشطارهم حتى تولى درك مصر ..وليس أكثر سخرية من هذا سخرية من الجهاز الحاكم الذي يبدو فريسة بين أيدي اللصوص هم في مجموعهم في نظر الشعب مجموعة من اللصوص .
ويحكي الرحالة نيبور في رحلته إلى مصر (1761-1792) قصصاً عديدة تدلل على ما يتمتع به اللصوص والشطار من مهارة فائقة ، فيحكي عن أحد لصوص النيل الذي قبض عليه رجال الباشا (الوالي) وتوسل اللص أن يسمح له الباشا بأن يقوم أمامه بعمل يكشف له به سراً من أسرار فنه ، وسمح له الباشا بذلك فطفق اللص يجمع ثياب الباشا وكل ما وقعت عليه عيناه في الخيمة من أشياء ،وصرها صرة ولعب بها بعض الألعاب البهلوانية ، ثم ألقى بعدها بنفسه في النيل وسبح إلى البر الآخر والصرة فوق رأسه ..وبلغ الأمان قبل أن يتمكن الأتراك من إطلاق النار عليه .
وتدلنا هذه الحكاية إلى أي مدى بلغ دهاء وحسن حيلة وفهلوة بعض الشرائح الهامشية التي استطاعت "سرقة الكحل من العين" وهي مهارة مكتسبة من "كثرة التجارب" ، من الخبرة الذاتية المعاشة أي من "التعلم" ومن سماع المأثورات الشعبية خاصة السير المرتبطة بحيل اللصوص.
وعلي مر العصور كان هناك دائماً فقراء، وكان علي الفقراء أن يتأقلموا ويتكيفوا مع ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. وكان عليهم -تحت ضغط الحاجة-  أن يبتكروا ويطوروا وسائل جديدة للتكيف "أو للتحايل علي المعايش" كما يسميها الفقراء المصريون"، وكانت هذه الطرق تنجح لبعض الوقت في تمكين الفقراء من تحمل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتجاوز الأزمات و الضغوط التي يتعرضون لها ، إما أن تكون دائمة «مثل انخفاض الدخل وضعف الاستفادة من الخدمة والحرمان من الأصول الإنتاجية والبشرية" أو تكون الضغوط والأزمات طارئة "مثل فشل المحصول أو وفاة عائل الأسرة أو التعرض للمرض أو زواج أحد الأبناء.. إلخ".
وكانت طرق ووسائل التكيف التي يبتكرها الفقراء ـ أو يضطرون لها ـ لمواجهة أزمة طارئة، تؤدي في كثير من الأحيان إلي زيادة حدة الأزمات التي يتعرضون لها في المستقبل. يحدث ذلك مثلاً عندما يضطر الفقراء لإنجاب عدد كبير من الأبناء للحاجة إلي مساهمتهم في توليد دخل إضافي للأسرة أو كضمان للمستقبل، ويحدث ذلك عندما يضطر الفقراء إلي إخراج الأولاد من المدارس لعدم قدرتهم علي مواجهة نفقات التعليم أو ليدفعوا بالأولاد والبنات إلي سوق العمل في سن مبكرة. ويحدث أيضاً أن يضطر الفقراء في أحيان كثيرة إلي الاقتراض بشروط مجحفة، والمبالغ المقترضة تستعمل لسد حاجات استهلاكية، ولكي يمكن الفقراء من تسديد القرض القديم وفوائده، يعيدون الاقتراض مرة أخري وهكذا في دوامة مستمرة تشدهم دائماً إلي القاع وتعمق من فقرهم وحرمانهم. ويحدث ذلك أيضاً عندما يضطر الفقراء في النهاية لبيع ما يملكونه من أصول إنتاجية قليلة لمواجهة أزمات طارئة مثل بيع الحيوانات التي يملكونها أو بيع قطعة الأرض الصغيرة التي تعولهم.
وبين ساعات الليل والنهار يمارس الفقراء كثيراً من الحيل الأخري لمجرد البقاء أحياء. وكلنا يعرف أمثلة لما تفعله النساء الفقيرات لتدبير «أو تدبيق» أحوالهم حتي يمكن لهم إطعام أفراد الأسرة الفقيرة بأقل النفقات. وقد سمعنا وقرأنا وربما شاهدنا نساء يقدمن علي شراء أرجل الدجاج أو أنواع الخضار التي اقتربت من الفساد، أو الأسماك المتعفنة التي لا تجد من يشتريها، وعندما يأكل جميع أفراد الأسرة وجبتهم الأساسية من الفول أو البسارة أو الطبيخ القرديحي البايت في طبق واحد، فليس ذلك إلا محاولة للتكيف مع نقص كمية الطعام المتاحة، ويتعلم بعض أفراد الأسرة التهام الطعام بسرعة لأن البطئ لن يحصل أبداً علي ما يشبعه.
وفي الأرياف تتحايل النساء الفقيرات علي المعايش مثلاً بأن تشترك مجموعة من النساء في إعداد الخبز بالتناوب. والمرأة التي عليها الدور تعجن وتخبز ثم تعطي كميات من الخبز للجارات أو الأقارب وهكذا في محاولة لتوفير الجهد والوقود.
وفي دراسة قام بها الباحث عاطف كشك عن الفقر والبيئة سجل حالة غريبة للتكيف الضار مع ظروف الفقر، يقول كشك: وجدنا في احدي المصالح الحكومية عامل يمتلك والده محل جزارة وقد تطوع العامل لبيع لحوم لبعض الموظفين بالأجل. وقد حكي لنا أحد هؤلاء الموظفين أنه يضطر كل أسبوع لشراء كيلو لحم بالأجل بسعر عشرين جنيهاً ثم يبحث عمن يشتريه منه "كاش" بسعر خمسة عشر جنيهاً لأنه في حاجة إلي النقود لشراء الخبز والفول لأولاده. ومثل هذا السلوك يفعله الفلاحون الفقراء عندما يضطرون إلي الاقتراض من التجار بضمان المحصول، حيث يحصلون علي سعر متدن جداً لمحصولهم لأنهم في حاجة للنقود لشراء مستلزمات الإنتاج أو شراء الطعام.
شريك حياة مؤقت!
و أعاد الحكم الذي صدر أخيراً بسجن "الدكتور" ع. ح (30 عاما)، البريطاني من اصل فلسطيني، لدوره في تسهيل الزواج الشكلي للبريطانية م. س من السوري م. ص تسليط الأضواء على ظاهرة قديمة تستخدمها عصابات تجارة الرقيق وتهريب المهاجرين إلى بريطانيا وتحقق منها مكاسب مادية لا تُحصى. إذ أن "تأمين شريك حياة مؤقت"، خصوصاً في لندن، سهل جداً إذ لا تزيد تكاليفه على الخمسة آلاف جنيه إسترليني نصفها للوسيط والنصف الآخر للعريس او العروس. وتُقدر هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن ما يصل إلى 10 آلاف "زواج مزور" يتم توقيعه في لندن وحدها سنوياً بينما أصبحت الدول العشر التي انضمت حديثاً إلى الاتحاد الأوروبي تنافس "السوق اللندنية" على هذه "التجارة المربحة".
التفاصيل نشرتها صحيفة "الحياة" اللندنية في عددها الصادر يوم 11/9/2005  وكانت هيئة محلفين في محكمة شيلمسفورد قضت مؤخراً بسجن ع. ح عامين و"العروس المزيفة" 15 شهراً بسبب "التآمر والتزوير" في حين يُعد ضباط الهجرة تقريراً لرفعه إلى وزير الداخلية تشارلز كلارك لنزع الجنسية البريطانية من "الدكتور المزيف" بينما نجا العريس السوري من العقوبة عندما هرب عائداً إلى زوجته وأولاده في سورية.
وكانت س (35 عاماً)، وهي الصديقة الشخصية لـ ع. ح قبلت الزواج من السوري (36 عاماً) مقابل «حفنة من الجنيهات» وكانت غلطتها الكبرى السقوط في «امتحان قرانها» عندما تلعثمت أمام مأمور الزواج، ولم تعرف اسم خطيبها او عنوانه قبل أن يتدخل الصديق لنجدتها في حين بقي «العريس» صامتاً لم ينظر إلى العروس التي قال عنها لصديقه "إنني لا أستطيع أن أضع عيني عليها بسبب بشاعتها"! وأوقف ع. ح الذي لا يمارس مهنة الطب بل يعمل مساعد ممرض، مع "العروس المزورة" بعد شهر من حفلة الزفاف وبناء على شكوى ضدهما من مكتب تسجيل الزواج.
وكان «العريس» يأمل بعد زواجه، وبعدما دفع "الرشوة"، بالحصول على إقامة دائمة، على أساس انه "متأهل" من بريطانية، ثم على الجنسية البريطانية ليستطيع بعدها إحضار "أم العيال والأولاد من سورية".
وأظهرت أوراق قُدمت إلى المحكمة انه حصل على تأشيرة دخول الى بريطانيا من السفارة البريطانية في دمشق بناء على دعوة من شركة الاستيراد والتصدير التي يملكها ع. ح (...) وسجل في طلب التأشيرة انه متزوج ولديه أطفال لكنه أخفى الأمر عن مأمور الزواج البريطاني. وادعت "العروس" أمام المحلفين أن ع. ح اجبرها على الزواج من صديقه.
وأفاد برنامج وثائقي بثته "بي بي سي" ان كلفة "ترتيب الزيجات المزيفة" تراوح بين أربعة آلاف وخمسة آلاف جنيه، وقد تصل أحياناً إلى 10 آلاف إسترليني لكبار السن!
ولاحظت "بي بي سي" إن مأموري الزواج لا يستطيعون رفض تسجيل العقود إذا ساورتهم شكوك لان العروسين لا يعرفان اسمي بعضهما بعضاً... بل عليهم إبلاغ الأمر إلى الشرطة لاتخاذ الإجراءات اللازمة ونسب بول كينون احد مراسلي البرنامج الوثائقي الى مارك ريمر مأمور الزواج في دائرة برنت اللندنية قوله: "انهم يتحايلون على النظام بأشكال شتى". كما اعترفت إحدى الفتيات بزواجها سبع مرات، وقالت: "انها أموال سهلة، خصوصاً عندما تقبض ألفي جنيه نقداً، من دون ضرائب مقابل ساعة زواج"!
وفي عودة إلى قانون الزواج المعروف بالقانون 1949 والمعدل عام 1994 لا موجب لتحديد مكان الإقامة الدائمة لأي من العروسين وليس من وظيفة مأمور الزواج التحقق من أي عنوان يُعطى له وعندما يطلب "المهاجر" إلى بريطانيا إقامة لمدة ثلاث سنوات ليبقى مع زوجته البريطانية عليه أن يقدم إلى إدارة الهجرة شهادة زواج شرعية مسجلة. وفي نهاية السنوات الثلاث يمكنه الطلب من وزارة الداخلية الحصول على الجنسية اذا لم يكن ارتكب جرماً أو حكم بقضية جنائية. ولم تستطع إدارات الداخلية البريطانية بعد القضاء على هذه الظاهرة أو حتى إغلاق عشرات مواقع الانترنت التي تُسوق "العرسان" ظاهرياً والإقامة فعلياً لفقراء العالم الثالث  !
الباحثة علياء شكري وزملائها في دراستهم لعمليات التكيف بين الفقراء لفتت الانتباه إلى ما أكدته بعض الدراسات من تزايد شعور الفقير بضعفه مع ازدياد ضغط مشكلاته اليومية عليه ، وتكون نتيجة ذلك المؤكدة انكفاؤه على مشاكله الخاصة المحدودة ، إلى الحد الذي يقلل من اهتمامه بالمجتمع الخارجي وقضاياه ومن مشاركته في السياسة العامة .
وتتطور هذه العلاقة السلبية إلى الحد الذي يفقد معه الفقراء قيم المواطنة الصالحة ، على حد تعبير هذه الدراسة ، وتشير بعض الدراسات إلى وجود علاقات عكسية ، بين الفقير وقيم المواطنة الصالحة ، فالفقر يفرض على الأفراد موقفاً خاصاً من الحياة ، هو موقف القلق والتشكك وعدم الأمان والخوف .
ومن هنا يمجد المجتمع الفقير بظروفه الصعبة قيم المداهنة مكان الشجاعة ، والموارية مكان الصراحة ، والتحيز مكان العدالة ، والتشكك مكان الثقة ، و"الفهلوة" مكان الجدية وينعكس ذلك على الأسرة الفقيرة  التي قد تبث في شرايين أطفالها اليائس والاستسلام كما قد تربى فيهم قيم القسوة وانتهاز الفرص والخطف والأخذ بحق أو بغير حق .
وتشير الدراسة إلى اختلاط الحدود عند الفقراء في موضوع الملكية ، حيث تصبح الحدود بين الملكية العامة والخاصة غير واضحة لديهم ، فإن تمكنوا من تحويل ملكية عامة إلى خاصة بطريقة أو بأخرى كان ذلك مكسباً في نظرهم .
فالفقير –حسب الدراسة- يشعر بالراحة إذا تمكن من ركوب السيارة العامة دون دفع الأجرة أو توصيل نور الكهرباء خلسة إلى مسكنه من أقرب مصدر كهربي حكومي ، أو ضم جزء من الشارع أمام مسكنه ليصبح حرماً خاصاً به ، يلعب فيه الأطفال وتمارس فيه الأمهات نشاطهن بالنهار ، ويجلس فيه الرجال على دكة في المساء .
القصد الفاسد .. التحايل على الشرع
والمقصود بالتحايل على الشرع استخدام "القصد الفاسد" لترتيب حكم عليه ، ويشار في هذا المجال، إلى أن القصد إذا كان غير شرعي يصير العمل أيضاً مخالفاً لقصد الشارع وبذلك يكون في حكم ما لم يعمل فيه (كأنه لم يكن بمعنى عدم تحقق الشرط أو تحققه بشكل خارجي) .
وقد ضرب مثالاً على ذلك بالتحايل في مجال الزكاة والنصاب بإنفاق المال قبل مرور الحول حتى لا يصل إلى النصاب .
وكذلك عقوبة الزنا بطلاق الزاني لزوجته حتى تخفف عليه عقوبة الزنا من رجم إلى جلد ، وهو يشير في هذه الأمثلة بأنها هرباً مما ينافي المقصد حتى يكون الحكم حسب الحالة الواقعة (أقل من النصاب في مثال الزكاة، عدم التحصن في مثال الزنا) من أجل تخفيف حكم الشرع .
ومن ذلك أيضاً التصدق بجزء من المال لإسقاط الزكاة والسفر في رمضان قصداً للإفطار ، أو تأخير المسافر لآخر صلاة حضر وقتها بقصد قصرها أثناء السفر ، أو تأخير المرأة الصلاة بعد دخول وقتها رجاء أن تحيض فتسقط عنها.
ومن أمثلة التحايل في مجال الشرع : اليمين ، حيث جعله الشارع "على سرنية المستحلف" حتى لا يمكن المخالف من فعل شرط بهذا القصد الباطن .
ومن أمثلة تحكم قصد الإنسان في الأعمال ، فعل ما يقتضي نشوز الزوجة وعدم قيامها بحدود الله بقصد حصول الزوج على الفدية والشهادة الزور لحكم القاضي للمشهود بقصد إسقاط حكم الاقتضاء قبل الشهادة ، وكذلك زواج التحليل بهدف تحقيق شرط عودة الزوجة لزوجها الأول .
ومن طرائف (التحايل) التي يشير إليها الإمام الشاطبي أيضاً تغيير الأشياء وذلك بتسميتها بغير أسمائها لتغيير حكم الشرع فيها ، ومن ذلك استحلال الخمر بأسماء يسمونها بها ، وتسمية السحت بالهدية والقتل بالرهبة ، والزنى بالنكاح ، والربا بالبيع ، فكأن المستحيل هنا رأي أن المانع هو الأسم ، فنقل الحرم إلى اسم آخر حتى يرتفع ذلك المانع فيحل له .
ويورد أحمد أمين حكاية واقعية يستشهد بها على وجود هذه الممارسات التحايلية في مجال أداء الضرائب ،وانتشارها حتى لدى  الخاصة والقادرين قائلاً: "وسمعت أن مصرياً كبيراً كان غنياً وأراد أن يشتري بيتاً من انجليزي ، فقال له: بكم تبيعه ؟ قال الانجليزي : بألف جنيه ، وكان ثمناً معقولاً ، فقال له ذلك الكبير المصري: أنا أقبل شراءه بالألف ولكن لي عندك رجاء واحد: هو أن يكتب في العقد صورياً أنك بعتنيه بستمائة جنيه ، قال الإنجليزي: ولماذا ؟ قال : لأفر من بعض الضريبة ، قال الإنجليزي ، مع الأسف لست أبيعه لك ولا بألفين ، لأن من أراد أن يسرق حكومة لا يستحق أن يُعامل" .
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *