جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

شخصيات

عباس العقاد.. العصامية "سر النبوغ" وسراج العبقرية

عباس العقاد.. العصامية "سر النبوغ" وسراج العبقرية


عباس العقاد.. العصامية "سر النبوغ" وسراج العبقرية


"إن عباس العقاد هو في رأي بعض الناس، مع اختلاف التعبير وحسن النية، هو رجل مفرط الكبرياء، ورجل مفرط القسوة والجفاء، ورجل يعيش بين الكتب، ولا يباشر الحياة كما يباشرها سائر الناس. إنه رجل يملكه سلطان المنطق والتفكير، ولا سلطان للقلب ولا للعاطفة عليه، يصبح ويمسي في الجد الصارم، فلا تفتر شفتاه بضحكة واحدة إلا بعد استغفار واغتصاب.
هذا هو العقاد في رأي بعض الناس، وأقسم بكل ما يقسم به الرجل الشريف أن العقاد هذا رجل لا أعرفه، ولا عشت معه لحظة واحدة، ولا التقيت به في طريق، ونقيض ذلك هو الأقرب إلى الصواب"! (1)

لم يتجاوز المرحلة "الابتدائية" من التعليم لكنه ثقّف نفسه حتى صار من كبار المفكرين والأدباء

هكذا قال الكاتب الكبير الراحل عباس محمود العقاد، عملاق الأدب العربي، عن نفسه في سيرته الذاتية الفكرية بعنوان "أنا"، التي تحدث فيها عن نفسه بتواضع الكبار رغم أنه تبوأ مكانة عالية في ثقافتنا العربية الإسلامية، ندر أن نافسه فيها أحد، فهو يقف بين أعلامها، وكلهم قامات سامقة، ولم ينل منزلته الرفيعة هذه بجاه أو سلطان، أو بشهادات دراسية، بل نالها بمواهبه المتعددة، وهمته العالية، ودأبه المتصل.
وُلد العقاد في مدينة أسوان، جنوب مصر، في 28 يونيو 1889، لأب مصري وأم من أصول كردية عراقية هي ابنة عمر آغا الكردي أحد قادة محمد علي باشا، وكان جده يعمل في صناعة الحرير بمدينة المحلة الكبرى، في الدلتا، فسمي "العقاد"، ثم هاجر الجد إلى الجنوب مع أسرته، حيث استقر والد العقاد وعمل أميناً للمخطوطات في ديوان "مديرية أسوان". (2)
ولم يتعد العقاد في دراسته المرحلة الابتدائية، لعدم توافر المدارس من مراحل تعليمية أعلى في أسوان آنذاك، كما أن أسرته الفقيرة لم تتمكن من إرساله إلى القاهرة للدراسة بها كما كان يفعل الأعيان وقتها، ولكنه كان عصامي الفكر مستقل الرأي منذ صباه، فاعتمد على ذكائه الحاد وصبره على التعلم والمعرفة، حتى أصبح صاحب ثقافة موسوعية لا تُضاهى، حيث ثقّف نفسه بنفسه في مجال الأدب العربي، كما أتقن اللغة الإنجليزية من مخالطته للسياح المتوافدين على الأقصر وأسوان، ما مكنه من القراءة والاطلاع على الثقافات الأجنبية من مصادرها الأصلية.
في أثناء دراسته، كان العقاد يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر، وكان مجلسه مجلس أدب وعلم، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع، فكان مما قرأه في هذه الفترة "المُسْتَطْرَف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"ألف ليلة وليلة"، وديوان الشاعر البهاء زهير وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية، وبدأ في نظم الشعر. وفي أثناء ذلك زار المدرسة الإمام محمد عبده، فرأى دفتر العقاد، فبشره بأنه سيكون في يوم ما كاتباً كبيرا.
وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية، عمل موظفًا في حكوميا بمدينة قنا سنة 1905 ثم نُقِلَ إلى الزقازيق 1907 وعمل في القسم المالي بمديرية "الشرقية" شمال مصر.

 اشتغل موظفاً في مصلحة التلغراف و"السكة الحديد" والأوقاف.. واعتبر الوظيفة "رق القرن العشرين"

اشتغل العقاد بوظائف حكومية كثيرة في المديريات ومصلحة التلغراف و"السكة الحديد" وديوان وزارة الأوقاف، لكنه استقال منها واحدة بعد الأخرى، ولمّا كتب مقاله الشهير "الاستخدام رق القرن العشرين" عام 1907 كان على أهبة الاستقالة من وظائف الحكومة.
وهو يقول عن تلك الفترة المبكرة من حياته: "جئت إلى القاهرة للكشف الطبي عندما التحقت بإحدى وظائف الحكومة عام 1904، وكان عمري إذ ذاك 15 سنة، وكانت وظيفتي في مديرية قنا، ولم تكن اللوائح تسمح بتثبيتي؛ لأنني لم أكن قد بلغت بعد سن الرشد، ثم نُقِلت إلى الزقازيق، ثم كنت أول من كتب في الصحف يشكو الظلم الواقع على الموظفين، ثم سئمت وظائف الحكومة، فهاجرت إلى القاهرة. ومن السوابق التي أغتبط بها أنني كنت فيما أرجح أول موظف مصري استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة واحدة من الغرابة وخطل الرأي عند الأكثرين. وليس في الوظيفة الحكومية لذاتها معابة على أحد، بل هي واجب يؤديه من يستطيع، ولكنها إذا كانت باب المستقبل الوحيد أمام الشاب المتعلم، فهذه هي المعابة على المجتمع بأسره". (3)

   أُغلقت "الدستور" أول صحيفة عمل بها فاضطر لإعطاء دروس في اللغة الإنجليزية للتلاميذ لكي يجد قوت يومه

وبعدما ترك خدمة الحكومة، اشتغل بالصحافة، واشترك مع الكتاب محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة تحت اسم "الدستور"، وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بالزعيم الوطني سعد زغلول ويؤمن بمبادئه، توقفت الصحيفة عن الصدور بعد فترة، وهو ما جعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه، فاضطر إلى إعطاء بعض الدروس لتلاميذ المدارس، لكي يجد قوت يومه، وترك القاهرة عائدا إلى أسوان، حيث عاش هناك فترة من الزمن متعطلا.
وعاد الرجل مجددا إلى القاهرة للعمل بالصحافة، واشترك في تحرير صحيفة "المؤيد" التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، وسرعان ما اصطدم بسياسة الجريدة، التي كانت تؤيد الخديوي عباس حلمي، فتركها إلى صحيفة "الأهالي" سنة 1917 وكانت تَصْدُر في الإسكندرية، ثم تركها أيضا إلى "الأهرام" سنة 1919، حيث استقر نهائيا.
واشتغل بالحركة الوطنية التي اشتعلت بعد ثورة 1919، وصار من كُتَّابها الكبار، مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، وأصبح الكاتب الأول لحزب "الوفد" بقيادة الزعيم سعد زغلول، والمدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب الأخرى، ودخل في معارك حامية مع منتقدي زعيم الأمة حول سياسة المفاوضات مع الإنجليز للجلاء عن مصر بعد الثورة.
وظل العقاد منتميًا لحزب "الوفد" حتى اصطدم بسياسة الحزب تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في سنة 1935 فانسحب من العمل السياسي، وبدأ نشاطه الصحافي يقل بالتدريج لينتقل إلى مجال التأليف، وإن كانت مساهماته بالمقالات لم تنقطع إلى الصحف، فشارك في تحرير صحف "روز اليوسف، والهلال، وأخبار اليوم"، ومجلة "الأزهر".
أصدر العقاد عدة دواوين شعرية اعتبرها النقاد أقل قيمة من أعماله الفكرية، حيث اعتُبر شعره نتاجا عقليا فلسفيا يعاني من جفاف المخيلة، لكن كان للرجل إسهامات كبرى في الحركة الأدبية الشعرية، حيث أنشأ بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري ما عُرف باسم "مدرسة الديوان"، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي.
وفي حياة العقاد معارك أدبية كثيرة، منها معاركه مع الأديب مصطفى صادق الرافعي عن اللغة بين الإنسان والحيوان، ومع طه حسين حول فلسفة الشاعر أبي العلاء المعري، ومع الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي في قضية الشاعر بين الملكة الفلسفية العلمية والملكة الشعرية، ومع محمود أمين العالم والدكتور عبد العظيم أنيس في قضية وحدة القصيدة العضوية ووحدتها الموضوعية.
وصار من كبار المدافعين عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، فدخل في معارك حامية مع الحكومات المتعاقبة، مما أدى إلى ذيوع صيته، وسجُن بسبب ذلك لمدة 9 أشهر عام 1930، وحينما خرج من سجته، اُنْتخب عضوًا بمجلس النواب.

عادى "النازية" أثناء الحرب العالمية الثانية وفر إلى السودان عند اقتراب جيوش "روميل" من الإسكندرية

كما وقف موقفًا معاديًا من "النازية" خلال الحرب العالمية الثانية، حتى إن أبواق الدعاية النازية وضعت اسمه بين المطلوبين للعقاب، وما إن اقترب جنود القائد الألماني الشهير إرفين روميل من الإسكندرية، حتى فر العقاد مع آخرين من الكُتاب والصحفيين الذين جاهروا بالعداء للنازي هتلر، إلى السودان عام 1943. ولم يعد من هناك إلا بعد انتهاء الحرب بخسارة دول "المحور" أمام "الحلفاء".
وعُرف عن العقاد طوال حياته نهمه الشديد في القراءة، وإنفاقه الساعات الطوال في البحث والدرس، وقدرته الفائقة على الفهم والاستيعاب، وشملت قراءاته الأدب العربي والآداب العالمية فلم ينقطع يومًا عن الاتصال بهما، لا يحوله مانع عن قراءة عيونهما ومتابعة الجديد الذي يصدر منهما، وبلغ من شغفه بالقراءة أنه يطالع كتبًا كثيرة لا ينوي الكتابة في موضوعاتها حتى إن أديباً زاره يوماً، فوجد على مكتبه بعض المجلدات في "غرائز الحشرات وسلوكها"، فسأله عنها، فأجابه بأنه يقرأ ذلك توسيعاً لنهمه وإدراكه، حتى ينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى، ويقيس عليها دنيا الناس والسياسة. (4)

سعد زغلول: العقاد أديب فحل له قلم جبار ورجولة كاملة ووطنية صافية واطلاع واسع

كتب العقاد عشرات الكتب في موضوعات مختلفة، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل "مطالعات في الكتب والحياة، ومراجعات في الأدب والفنون، وأشتات مجتمعة في اللغة والأدب، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكرين في القرن العشرين، وجحا الضاحك المضحك، وبين الكتب والناس، والفصول".
وتجاوزت مؤلفاته الإسلامية 40 كتابا، فتناول أعلام الإسلام في كتب ذائعة، عرف كثير منها باسم "العبقريات"، استهلها بعبقرية محمد، ثم توالت باقي السلسلة التي ضمت "عبقرية الصديق، وعبقرية عمر، وعبقرية علي، وعبقرية خالد".
وألَّف العقاد عدة كتب في مجال الدفاع عن الإسلام، دافع فيها عن الدين الحنيف أمام الشبهات التي يرميه بها خصومه وأعداؤه، مستخدمًا علمه الواسع وقدرته على الجدال، وإفحام الخصوم بالمنطق السديد، فوازن بين الإسلام وغيره، وانتهى من الموازنة إلى شمول حقائق الإسلام وخلوص عبادته وشعائره من شوائب الملل الغابرة حين حُرِّفت عن مسارها الصحيح، وعرض للنبوة في القديم والحديث، وخلص إلى أن النبوة في الإسلام كانت كمال النبوات، وختام الرسالات وهو يهاجم الذين يدعون أن الإسلام يدعو إلى الانقياد والتسليم دون تفكير وتأمل، ويقدم ما يؤكد أن التفكير فريضة إسلامية. (5)
وكانت حياة العقاد سلسلة طويلة من الكفاح المتصل والعمل الدءوب، فقد صارع الرجل الحياة والأحداث وتسامى على الصعاب، وعرف حياة السجن وشظف العيش، لكن ذلك كله لم يُوهِنْ عزمه أو يصرفه عما نذر نفسه له.
وقال عنه سعد زغلول: "إنه أديب فحل، له قلم جبار، ورجولة كاملة، ووطنية صافية، واطلاع واسع، ما قرأت له بحثًا أو رسالة في جريدة أو مجلة إلا أعجبت به غاية الإعجاب".
وفي 12 مارس  1964، لقي عملاق الأدب العربي عباس العقاد ربه، عن 75 عاما، ورحل عن عالمنا دون أن يتزوج أبدا، لكنه ترك ثروة أدبية وفكرية لا نظير لها للأجيال العربية القادمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)                 عباس العقاد "أنا"، الناشر "مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة" القاهرة، 2013.
(2)                 موقع "المعرفة"
(3)                 العقاد "أنا"، مصدر سابق
(4)                 د. نعمات أحمد فؤاد "قمم أدبية"، "عالم الكتب" القاهرةـ 1984.
(5)                 د. شوقي ضيف "مع العقاد"ـ "دار المعارف"ـ القاهرة ـ بدون تاريخ.
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *