القدر يبدع في تصفية الحسابات.. "فلا تحزنوا"
ساعات بتبقى الحكاية مش مجرد موقف عدى.. بتبقى جرح من أقرب الناس. وتتفاجأ إن أول إيد اتمدت عشان تطعنك أو تنكر فضلك.. كانت إيد حد من دمك!
في اللحظة دي بالذات، بتحس بالحزن، وسؤال بيتردد جوه دماغك: " ليه الجحود؟".
"عمرك شفت حد ظلمك، كسر بخاطرك، أو أخد حقك.. وفي لحظة لقيت الأيام بتدور وبتجيبلك حقك لحد عندك؟
ساعات بنقعد نفكر ونقول: هي العدالة تأخرت ليه؟ هو الحق أصلًا بيرجع؟
سواء اتظلمت؟ نمت بدمعتك؟ إوعى تفتكر إن الموضوع انتهى.. الحكاية كلها إن القدر لسه بيرتب المشهد الأخير!"
"أغلبنا لما بيتظلم، بيبقى عايز يشوف الانتقام في ساعتها.. عايزه يدوق من نفس الكأس. بس الحقيقة إن البشر لما بياخدوا حقهم بإيديهم، بياخدوه بقلة حيلة وبغشم. لكن تصفية الحسابات الإلهية حاجة تانية خالص...
عارف لما تلاقي أخ شايف نفسه على أخوه لمجرد إن ربنا وسّع عليه في الرزق؟ معاه قرشين زيادتين، أو عنده عزوة وجاه، فيبص لأخوه الأقل منه بنظرة استعلاء، ويحسسه إنه ملوش قيمة ولا رأي!
جحود بعض الأقارب مش حاجة جديدة، ولا أنت أول واحد تدوق مرارته. التاريخ والقرآن حكوا لنا إن أشد أنواع الابتلاءات بتيجي أحياناً من جوه البيت.
· طب تعالى نرجع بآلة الزمن شوية.. وتعالى نشوف أعظم قصة جحود عائلي عرفها التاريخ، عشان تعرف إنك مش لوحدك، وإن اللي أنت فيه ده مش نهاية المطاف."
· افتكر معايا قصة سيدنا يوسف.. ولد صغير، بريء، معملش أي حاجة في دنيته غير إنه كان محبوب من أبوه. إخواته - اللي هما سنده في الدنيا - بدل ما يحموه، الغل والحسد أكل قلوبهم.
· عملوا إيه؟ اجتمعوا عليه، خططوا، ورموه في البئر وسابوه لمصير مجهول، ورجعوا لأبوهم بدم كذب، وبكل جحود قالوا: 'أكله الذئب'.
· تخيل معايا لحظة يوسف وهو في الضلمة جوه البئر؟ ولد صغير، أهله وإخواته هما اللي رموه! كمية القهر والحزن اللي كانت ممكن تقتله ؟
· بس ربنا سبحانه وتعالى كان ليه ترتيب تاني خالص.. البئر اللي رموه فيه.. كان بداية الطريق للقصور! والعبودية اللي عاشها.. كانت بداية الطريق عشان يبقى عزيز مصر! والسجن اللي دخله مظلوم.. كان المؤهل إنه ينقذ أمة كاملة من المجاعة!"
· "عارف إيه الجميل في القصة؟ إن إخوات سيدنا يوسف لما رموه، كانوا فاكرين إنهم أنهوا قصته، فاكرين إنهم طفوا نجوميته. بس هما في الحقيقة، ومن غير ما يقصدوا، كانوا بينفذوا إرادة ربنا إنه يرفعه فوقيهم كلهم!
· مرت السنين.. والجوع ضرب الأرض كلها. القحط والفقر بقى هو الحاكم. وفجأة.. نفس العشر رجالة دول، واقفين منكسين الرأس، بيستجدوا أكل وقمح من راجل قاعد على عرش أعتى مملكة في الوقت ده.. عزيز مصر.
· اللحظة دي مش مجرد لقاء عادي.. دي اللحظة اللي الذل والقهر والرجاء بيجتمعوا في عينين إخوة يوسف!
· إخوة يوسف داخلين البلاط الملكي.. مش داخلين كفرسان ولا كرجالة أصحاب نفوذ، الجوع والقحط كسر كبرياءهم،
· يوسف عليه السلام قاعد على العرش.. عرفهم من أول ثانية! أول ما شاف وجوههم، افتكر اللحظة اللي رموه فيها في البئر، افتكر دموع أبوه يعقوب اللي أبيضت عيناه من الحزن. لكن هما؟ ولا فاهمين أي حاجة. بالنسبة ليهم، ده حاكم مصر الصارم اللي بيده يطعمهم أو يموتهم جوع.
· القرآن لخص المشهد ده في كلمات تهز الوجدان: (يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا)
· شوف حجم الذل في الكلام! "مسنا وأهلنا الضر".. إحنا بنموت من الجوع يا سيادة العزيز! "وجئنا ببضاعة مزجاة".. يعني جايبين شوية فلوس أو بضاعة رديئة وقليلة ما تسواش حاجة، مالهاش قيمة! "وتصدق علينا".. الإخوة اللي كانوا من شوية أصحاب كبرياء، بقوا بيطلبوا الصدقة!
· هنا يوسف عليه السلام بيبص لهم.. خلاص، الأمانة اتأدت، والدائر دارت، والدرس اكتمل. يوسف ما استخدمش سلطته عشان ينتقم ولا يسجنهم ولا يذلهم زيادة.. هو أراد يصحّي ضميرهم الميت.
· بص لهم ونطق بالجملة اللي نزلت عليهم زي الصاعقة: (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ؟)
· سكت المكان! الهواء اتجمد في الصالة! إيه ده؟ العزيز يعرف اسم "يوسف"؟ يعرف السر اللي مدفون من عشرات السنين وما يعرفوش حد في مصر كلها؟
· العيون اتوسعت.. النفس اتكتم.. بصوا في وشه كويس، ودققوا في ملامحه اللي غطتها السنين وتاجات الملك..
· أَئِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ؟) أنت.. أنت يوسف؟! الطفل اللي رميناه في الضلمة؟ العبد اللي اتباع بدراهم معدودة؟ هو أنت اللي بقيت بيدك قوتنا وحياتنا؟
· تخيل كمية القهر والكسرة اللي حسوا بيها في اللحظة دي.. موقف لا يحسدوا عليه. العجز التام أمام الشخص اللي ظلموه. كانوا مستنيين حكم الإعدام، مستنيين انتقام جبار.
· لكن يوسف.. أخلاق الأنبياء.. رد بمهابة وعزة من غير غرور
· الإخوة ما لقوش كلام يقولوه، غير الاعتراف الكامل بالهزيمة والذنب
· وفجأة.. ييجي العفو اللي يكسر أي كبرياء متبقي
· ده بالظبط اللي كان جواهم.. كانوا شايفين إنهم عصبة أقوياء، أصحاب مال وتجارة، ويوسف وأخوه مجرد ضعفاء مالهمش وزن ولا سلطة. التكبر بالدنيا زغلل عينيهم، ولغا عقولهم، وخلاهم يقنعوا نفسهم إن القوة والمال هما اللي بيعملوا قيمة للبني آدم، مش التقوى والأخلاق!
· نسوا إن القرش بيجي ويروح، وإن العزوة والسلطة في ثانية ممكن يطيروا زي الغبار.. ونسوا إن اللي رزقهم قادر في لحظة واحدة يقلب الآية، ويخلي الغني فقير يستجدى القوت، والضعيف المظلوم هو المالك والحاكم!
· عشان كده بقولك: لا تحزن.
· لما تشوف جحود من عيلتك أو قرايبك.. لا تحزن، وافتكر حديث النبي: 'عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ'.
· لما حفرتك تجيلك من أقرب الناس.. لا تحزن، يمكن الحفرة دي هي البئر اللي هينقلك للمكانة اللي تستاهلها.
· لما تتقفل الأبواب في وشك ويتخلى عنك الكل.. افتكر قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
· ربنا مش بيسيب الظالم، ومش بينسى المظلوم. والمحنة اللي أنت شايفها دلوقتي وبتبكي عليها، بكرة الصبح هتكتشف إنها كانت أكبر نعمة في حياتك."
إخوة سيدنا يوسف رموه في البئر.. والسبب؟ لمجرد الحقد والغيرة! لكن النهاردة، في زمننا ده، الجحود أخد أشكال تانية:
· تعمل الواجب ، ويتقال عليك "ده بيعمل كده عشان المنظرة".
· تقف جنبه في أزمته، وأول ما يقف على حيله.. ينسى اسمك أو يقلل من قيمتك.
· تضحي بإنك تريحهم على حساب نفسك، وفي الآخر تسمع كلمة: "محدش طلب منك تعمل كده!".
شعور القهر ده صعب، والوجع لما ييجي من القريب بيبقى أضعاف.. بس السؤال المهم: هل يستاهل إنك تحرق دمك وصحتك عليه؟
الدكتور مصطفى محمود الله يرحمه قال كلمة تختصر الدنيا دي كلها لما قال: "بدل ما نندفع للحقد والثار والانتقام.. ده كلها ساعة! ربنا بيقول إن الحكاية كلها ساعة، طب ما نستحمل الساعة دي بحلوها ومرها.. المبتلى يصبر، والمنعم عليه يشكر".
أيوة.. هي الدنيا كلها على بعضها "ساعة"! ليه تخلي قسوة حد تسرق منك صفاء قلبك؟ وليه تخليهم يغيروك ويخليك تحقد أو تكره؟ لما تعمل الخير مع حد وينكره، افتكر إنك ما كنتش بتعمله علشانه هو.. أنت كنت بتعمله لله. والبضاعة اللي بتتسجل عند ربنا عمرها ما بتضيع ولا بتتنسى.
علشان كده.. "لا تحزنوا".
· لو قابلوا إحسانك بجحود: اعرف إن المشكلة في نفوسهم هما، مش في أصلك أنت.
· لو اتظلمت: قفل الصفحة واستعوض ربنا، وافتكر إن حسيبك هو رب القلوب.
· واعمل حدود صحية: صلة الرحم واجبة، بس مش معناه إنك تسلم رقبتك للي بيأذيك كل شوية. استحمل "الساعة" دي بكل ما فيها، وعيش بقلب أبيض وسليم.. عشان يوم ما نقابل ربنا، نروح له بوش أبيض، وقلب خالي من الغل والحقد.
القدر لما بيتصرف، مش بس بيرد الحق، ده بيبدع في الإخراج!
تلاقي الظالم يلف يلف، وتجيله الضربة من أكتر مكان كان مطمن له.. من نفس الباب اللي دخلك منه الأذى، يدخله هو الخيبة. .
علشان كده، لو خرجت من تجربة مكسور، أو سيبت حقك عشان مش قادر تجيبه.. لا تحزنوا.
عارف ليه؟ لأن سكوتك ده مش ضعف، ده تسليم للمحكمة الأكبر. وأي حساب بيتسجل فوق، مفيش فيه بند بيضيع ولا حق بيسقط بالتقادم".
افتكر دايماً: أصعب وأجمل تدبير.. هو التدبير اللي بيحصل في الخفاء وأنت نايم مطمن.
القدر مبينساش حد.. القدر فقط بيبدع في اختيار الوقت المناسب!"
القدر مابيردش الضربة بضربة زي البشر.. القدر بيبدع في الإخراج!
لا تحزنوا.. ربنا شايف، وعارف
اطمن.. ارمي حمولك على الله.. وقول لنفسك كل يوم: لا تحزنوا، إن الله معنا."، والسلام.
رمضان عبد المقصود