د. هاني سليمان يكتب: الشرق شرق والغرب غرب

 

د. هاني سليمان يكتب: الشرق شرق والغرب غرب


في عام 1636، قامت جامعة كامبريدج البريطانية العريقة بإنشاء قسم للدراسات العربية بها، وكان خطاب الافتتاح لهذا القسم ينص على التالي:

"إن الهدف من هذا العمل ليس فقط تقدم الدراسات عن طريق إخراج المعرفة المجهولة إلى النور، ولكن أيضا خدمة الملك والدولة في تجارتنا مع الأمم الشرقية، وكذلك خدمة الله لتوسيع حدود الكنيسة ونشر المسيحية في تلك الأمم التي مازالت تعيش في الظلام".

هذه إذن كانت أهداف الدراسات العربية الاستشراقية في معظم جامعات أوروبا في ذلك الوقت، فلم تكن أهدافا علمية فقط، ولكن كانت أهدافا سياسية وتجارية ودينية أيضا.

كان أول رئيس لهذا القسم يخطط لتأليف كتاب يدحض ويفند فيه القرآن الكريم، وإن كان هذا الكتاب لم يرَ النور أبدا، وقام أحد خلفائه في رئاسة القسم بتأليف كتاب بعنوان "تاريخ السراسنة - History of Saracens، والسراسنة هم المسلمون، وكلمة Saracen  كلمة أصلها روماني، وكانت تعني ساكن الصحراء، ثم أُطلقت على العرب كلهم، ومع ظهور الإسلام أصبحت تُطلق على المسلمين كلهم، وأصبحت الكلمة تصف أيضا اللصوص وقاطعي الطريق والهمجيين.

أوصى كاتب هذا الكتاب أيضا بأنه لابد من قراءة القرآن ودراسته حتى يتم تفنيد مزاعم القرآن ودحضها، وهو ما حاوله الكثيرون من بعده سواء في جامعته أو في جامعات أوروبية أخرى.

مع منتصف ستينيات القرن العشرين، ظهر في أوروبا وأمريكا كتاب ومفكرون وباحثون عرب، درسوا وتعلموا وأقاموا في الغرب، أخذوا في انتقاد النظرة والأفكار الغربية عن الشرق، والتي أوردها ونشرها وثبتها الباحثون والكتاب الغربيون المهتمون بالشرق والذين وصفوه ودرسوه وكتبوا عنه، وهم من يُعرفون بالمستشرقين (Orientalists).

أول هؤلاء الباحثين كان المفكر المصري – الفرنسي القبطي الشيوعي أنور عبد الملك (1924 – 2012)، حينما كتب مقالا شهيرا جدا عام 1963 بعنوان "الاستشراق في أزمة  Orientalism in Crisis".

قال عبد الملك في مقاله أن المستشرقين الغربيين كانوا نوعين، النوع الأول هم الباحثون والدارسون والكتاب المهتمون بالشرق، والنوع الثاني هم الرحالة وقادة الجيوش وموظفو الاحتلال الغربي والتجار ورجال الأعمال، الذين أتوا إلى الشرق لأسباب مختلفة، وأقاموا فيه لفترات مختلفة أيضا.

ورأى عبد الملك أن نظرة النوعين من المستشرقين إلى الشرق كانت نظرة واحدة، فقد كانت نظرة عنصرية استعلائية، تنظر إلى الشرقي على أنه شخص معزول، ضعيف، سلبي، غير فعال، وغير سيادي، وأن الشرق مكان جاهز للتدخل والاختراق والاستغلال بواسطة الغرب المتحضر المتقدم.

وجاء الباحث والمفكر الفلسطيني – البريطاني عبد اللطيف الطيباوي (1910 – 1981) ونشر مقال شهيرا آخر عام 1964 بعنوان "المستشرقون الناطقون بالإنجليزية – English-Speaking Orientalists".

قال الطيباوي أنه كانت هناك دائما عداوة عميقة من جانب العالم الأوروبي نحو الإسلام، وأنه منذ القرن التاسع عشر كانت هناك علاقة قوية بين بعثات التبشير المسيحية المتجهة إلى الشرق، والمستشرقين الأكاديميين الغربيين الذين يدرسون ويكتبون عن الشرق، ونتيجة لهذا فإن كثيرا من المستشرقين الغربيين تأثروا بالأهداف التبشيرية لهذه البعثات، ففشلوا في تحقيق الحياد العلمي في نظرتهم إلى الشرق وفي كتاباتهم عنه.

وقال الطيباوي أيضا أن هؤلاء المستشرقين تبنوا أفكارا جامدة ومُسبقة عن الإسلام، وأظهروا مثلا عدم فهم تام لطبيعة القرآن الكريم، ولم ينظروا إليه على أنه كلام الله الخالد غير المخلوق، ولكنهم نظروا إليه على أنه تأليف إنساني، أٌدخِلَت عليه عناصر وأفكار من المسيحية واليهودية.

د. هاني سليمان يكتب: الشرق شرق والغرب غرب


ثم جاء  المفكر والكاتب السياسي والناقد الفلسطيني – الأمريكي البروتستانتي إدوارد سعيد (1935 – 2003) في كتابه الأشهر "الاستشراق – Orientalism" الذي نشره عام 1978، ليؤكد النظرة الاستعلائية الاستعمارية التي كان تسود لغة الخطاب الاستشراقي الغربي تجاه الشرق، والتي كانت تنظر إلى العالم على أنه ينقسم إلى نصفين غير متساويين، هما الغرب الكبير والشرق الصغير، وأن العلاقة بينهما هي دائما علاقة سيطرة وهيمنة واستغلال، من الغرب للشرق طبعا.

أكد سعيد في كتابه أن معظم الدرسات والكتابات والأفكار التي كتبها وصاغها المستشرقون الغربيون على اختلاف أنواعهم وجنسياتهم وأزمانهم، كانت تهدف أساسا إلى تحقيق وفرض سيطرة الغرب القوي على الشرق الضعيف، وهي من وجهة نظرهم سيطرة لها ما يبررها بحكم التفوق الغربي الطبيعي الناشئ نتيجة للعنصر والمولد والثقافة والفكر والحضارة...إلخ إلخ.

من المدهش أن الكثيرين من الشرقيين والعرب والمسلمين أنفسهم قد تأثروا - بل وصدقوا وآمنوا - بهذه الأفكار والآراء الغربية عن أنفسهم وعن ثقافتهم وعن دينهم، ورضوا أن يعيشوا مقهورين منهزمين مغلوبين على أمرهم، سواء بواسطة الاحتلال الغربي قديما، أو بواسطة حكامهم من الطغاة حديثا، وتبنى بعضهم أفكارا وآراءً غربية ومستوردة وغريبة عن معتقداتهم وثقافاتهم ومجتمعاتهم، بدعوى التحرر والتنور والتقدم والحضارة.

قالوا عن الشرق والغرب:

- الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا.

روديارد كيبلنج: شاعر وكاتب ورحالة ومستشرق بريطاني، فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 1907

- الشرق شرق والغرب غرب، فإذا التقيا نشب صراع الحضارات.

صامويل هنتجتون؛ عالم سياسي أمريكي وأستاذ في جامعة هارفارد، ومؤلف كتاب "صراع الحضارات".

- الشرق شرق والغرب غرب، فإذا التقيا فسوف أحصل على عمولة.

عدنان خاشقجي؛ ضابط مخابرات سابق ورجل أعمال وتاجر سلاح وملياردير سعودي.

د. هاني سليمان

استشاري الأمراض الجلدية والتناسلية مدير التسويق لشركة فايزر الشرق الأوسط سابقا مدير معهد التدريب القومي بوزارة الصحة سابقا ...


0/تعليق

أحدث أقدم