د. صبري مسلم يكتب: البنية الحوارية في قصائد الشاعر عبد الولي الشميري (1)

 

البنية الحوارية في قصائد الشاعر عبد الولي الشميري (1)

بقلم/ الناقد الكبير د. صبري مسلم

الحوار وسيلة راقية للإقناع ويعكس بعداً أيديولوجياً

نرى كيف يمكننا الإصغاء إلى أصداء الأفكار وإيقاع الإحاسيس بدون عنصر الحوار، انه أداة فنية فذة بل تقنية متميزة واسلوب تناول خاص، صحيح ان الحوار الصق بفن المسرح بحيث يشكل عموده الفقري ومجمل قوامه الفني إلا انه تسلل إلى فنون اخرى واعني بها القصيدة المعاصرة خاصة مروراً بالفنون القصصية التي يدخل عنصراً مهماً في بنائها القصصي ولاسيما الفن الروائي وفن القصة القصيرة.

والحوار عامة هو حديث الشخصية الإنسانية المنبعث من أعماقها والمعبر عنها أدق تعبير لأن الشخصية الصامتة تبدو مثل لوحة ساكنة ولكن ما إن تتحاور حتى تنبض ملامحها، وتتحرك الحياة فيها حينذاك يتكون الانطباع الأول عنها وقديماً قال علي كرم الله وجهه «المرء مخبوء تحت لسانه» (1) وعبر جون برين عن ذلك بقوله «ان سبيلنا الوحيد لمعرفة الناس هو حين يتحدثون»(2) وعدول ديوارانت محاورات أفلاطون احدى النفائس الثمينة المؤثرة في المسيرة الانسانية.(3)

ولاريب في ان للحوار أكثر من قطب فهو وسيلة راقية للاقناع ولذلك فانه قد يعكس بعداً ايديولوجيا بيد ان هذه السطور تتناول الحوار على انه مما يرفد القصيدة بنسغ متجدد بحيث يدخل بوصفه عنصراً في بنائها الفني، وهذا البنية الحوارية في قصائد الشاعر عبد الولي الشميري ورموز المعتقد كالاله جل شأنه ومحمد صلى الله عليه وسلم(6) وربما حاور مظاهر الطبيعة في سياقات شعرية مختلفة كالكوكب والسحاب والليل والشمس والقطر والبرق(7).

بيد ان الشاعر في حواراته هذه لايخرج عن اطارين اثنين احدهما الاطار الذي يقترب من التقنية السردية حيث يرد الحوار في قصة شعرية كما اسماها الدكتور جلال الخياط(8) او قصيدة قصصية كما اطلق عليها هذه التسمية الدكتور عز الدين اسماعيل(9) وربما لم يقصد نص الشاعر عبدالولي الشميري ان يكون قصيدة قصصية مكتملة العناصر ولكن الحوار الذي يرد في القصيدة بين اكثر من شخصية والحدث الذي ينتظمها يعطيها هيئة هذا التشكيل في مثل قصيدته ”رحيق الثغر”(10) التي يرد فيها فينفذ النص الى إحساسات الشاعر اثر حدث الجفاء والصد حيث يتقد الأمل بعودة الود والصفاء، والصورة التشبيهية التي تكاد تنتظم المقطع الشعري كله تتكئ على طرفين أحدهما الشاعر والطرف الآخر الطفل بكل أهوائه ونزعاته إفصاحاً عن التوبة والرغبة في فتح صفحة جديدة وبث الحياة في هذه العلاقة.

ويفضي هذا المقطع الشعري الى مقطع شعري آخر يتقمص الشاعر فيه شخصية الفتاة ويستبطن إحساساتها فهي جريحة إثر تلك القطيعة حيث يرد على لسانها ما نجتزئ منه:

فتبرر الفتاة هذه القطيعة، وهدفها ان تحاصر الشاعر وان تسمع دفاعه عن نفسه املاً منها في عودة الود. وقد ورد النص الشعري منظوماً على بحر الوافر وتفعيلاته ذات الايقاع المنسجم مع تصاعد تنهدات الفتاة واتقاد جذوة مشاعرها مع موسيقى تنبعث من داخل الأبيات على هيئة إيقاع داخلي مأنوس تشكله التقفية الداخلية المتشكلة من الحوار المباشر (عليك، عندك، حولك، بدمعك، وثغرك، خديك، دمائك) مما يعزز ايقاع الوافر وقافية الراء ذات التردد والمتكررة سجية وطبيعة وان اقترنت بعلامة السكون ظاهرياً ويرد الشاعر معتذراً ومتظاهراً بالزهد بها اذ يقول : ويختم النص بنهاية سعيدة ينم بها البيت الاخير من القصيدة.

وهي خاتمة متوقعة على أي حال بيد ان الحوار أكسبها طرافة وقدرة على تشويق القارئ لمتابعة هذا الحوار بين الحبيبين بحيث يبدو الحوار بحد ذاته في غاية الامتاع داخل هذا التشكيل اللصيق بتقنية سردية هي القصيدة القصصية.

البنية الحوارية في قصائد الشاعر عبد الولي الشميري (1)


ويهب الحوار الذي يرد في سياق يقترب من الأجواء السردية قصيدة “قالت غيور”(11) طابعاً تشويقياً لاسيما انه يرد في مطلع القصيدة واستهلالها الذي نقتطف منه:

فتشهد القصيدة لحظة تنوير يضيئها البيت الأخير الذي يكشف عن هدف الشاعر من هذا الحوار، فهو يمهد لقصيدة ذات طابع قومي ينسجم مع توجه الشاعر وانتمائه بيد انه يعبر عنه باسلوب الفنان الذي ينأى عن المباشرة والتقرير.

وثمة قصيدة ثالثة ترد تحت عنوان “ما اسمها “(12) وهي تفيد من الحوار أجواء قصصية شيقة بيد ان الحوار يظل مفتوحاً، ويكاد يكون من طرف واحد، اذ يركز النص على الذات الجريحة للفتاة التي يرد على لسانها ما نقتطف منه(13):

 ما أسمها؟ هـى بنت مــن؟

 ما الـعـم؟ كى أتوقعا

مـالـون عـيـنيـهـا اللـتـين

 سـلـبن قلـبـك أجـمـعا؟

قـلـت اسـمـعي فـتـنـهـدت

 قـالـت ولا، لـن أسـمعـا

أسـكــت فـلــست غــبـيـة

 أرضـتى بـهـــذا الإدعـــا

ولســوف أكســر مـا لقيتُ

 مــن الــزُّجـاج أو الـوعا

أنا مــا أتيــتُ لــكي أهـان

عـلـى يـديـك وأجــزعـــا

يا عــين آن لـــــك الآوانُ

 بــأن تــصــبى الأدمــعـا

أو فاعــترف، والله يغـــــفـر لابن آدم مـا سـعـى

حــواء لــغـز مـبـهـــم

 كـل الطـلاسم جــمَّـعــــا

أنــا مــا أتــيـت لــكـيـدها

والـظـلم أن أتـجـرعــا

إنــى أتـيـت إلـى الـحـياة

لــكــى أضرَّ، وانـفــعا

فيعرض النص حالة إنسانية يتقمص فيها الشاعر شخصية تلك الفتاة العاشقة التي تنتفض اثر احساسها بان من تحب يخونها مع سواها، ويتولى الحوار الحاد المفصح عن جرح الفتاة الكشف عما يغلي في داخلها من مرارة النبذ والجفاء.

وأما الإطار الآخر الذي ينأى فيه الحوار عن التقنية السردية فانه يفصح مباشرة عما يستأثر باهتمام الشاعر وما يشغل عالمه، ينطبق هذا على ولعه برموز الوطن ومناداته اياها، ومن ذلك حواره مع صنعاء وبأرق التعبيرات.

أنا من عشقك ياصنعاء أنا

اشرب الهم واقتات الضنا

انت للدنيا بهاء وسنا

حلمها السامي واشتات المنى

وفي موضع آخر يخاطبها قائلاً:(14)

ياموطن الحب يانبعاً تدفقه

يمني الاله على جرحي فتشفيني

ويا أريج نسيمات يمانية

شذاك ينشرني طوراً ويطويني

بنسمة في ربى صنعاء عابقة

اشم نفحة فردوسي وعليني

ولاتخفى الإشارة إلى اغتراب الشاعر حين يمكث في غير صنعاء مما يعمق معاناة الشاعر بهذا الاغتراب وان كان اغتراباً مؤقتاً وطارئاً، ومن هنا فانه يحن الى تفاصيل ذلك المكان السامي موطن الحب (صنعاء) قرين الخصب وتدفق الغيث سر الحياة وبكل تضاريسه وانسامه ورباه ووديانه وعبقه ويعزز الشاعر ايمانه الراسخ بالجذر الحضاري لصنعاء مؤكداً اياه في اكثر من موضع في قصائده فهي الريادة والبدء والحضارة العريقة المنبعثة من اعماق التاريخ والمشرئبة على المستقبل العربي وقد يحاور الوطن عامة اذيرد(15)

وطني يا حقل انبات الأول

كم عظيم في بنيه كم بطل

فتن الجوزاء واستهوى زحل

كل شبر قد كسوناه قبل

ويصرخ باسم اليمن في قصيدة أخرى:(16)

ولى زمان الغسق يايمن االطهر النقي

ياشامة في جسد العروبة الممزق

واذا كان هذا المقطع قد ورد من قصيدة “قبلة على جبين الوطن” وهي قصيدة مغناة لاسيما انها منظومة على مجزوء الرجز وهو بحر راقص يقترب من التشكيل الغنائي، وينطبق هذا على المقطع الذي سبقه إذ انه منظوم على بحر الرمل ذي الايقاع الراقص السريع. وعلى الرغم من ان الشاعر يعكس انتماءه وتعلقه بوطنه بيد انه لاينسى وهو في غمرة هذا الحب ان ينبه إلى زمن الشتات والتمزق ومن منطلق التحريض على رفض الراهن والتطلع صوب مستقبل عربي افضل.

وفي قصيدة قبلة على جبين الوطن المشار اليها، يحاور اليمن على انها الحبيبة الأثيرة إلى نفسه:

بوركت ياحبيبتي ذكراك اشذى عبق

فهي الراهن والذكرى المقترنة بالماضي وهي المستقبل انها قوام زمن الشاعر.

ومن منطلق حرص الشاعر على انتمائه العربي فانه يعبر عن حبه لعواصم عربية منها مصر التي كان وفياً لها ولأجوائها اذ يخاطبها قائلاً: (17)

اليك يامصر امصرنا هوادجنا

وفي عكاظك ارسينا مراسيها

تحلو على تربك الزاكي قصائدنا

أرض الكنانة ما أحلى أماسيها

ولاتخفى الإشارة الى مكوث الشاعر في مصر وتعلقه بها وتواصله مع عطائها الثقافي وأجوائها النابضة بالحياة والشعر.

ويؤكد الحوار صلة الشاعر بالقصيدة، فهي صلة انتماء ومصير يتأنس فيها الشعر إذ يخاطبه الشاعر:

فدم ياشعر أنفاسي ودم ياشعر إعصاري

عتبت عليك ياشعري وياتسبيح قيثاري

كذا ياشعر تحرجني وتفشي كل أسراري

وتمضي القصيدة في هذا النسيج الاستعماري الذي يتجلى فيه الشعر إنساناً ينبض بالحياة، ومن هذا المنطلق يقرنه الشاعر بأنفاس الحياة ونبض القلب تارة وتارة أخرى بإعصار الغضب ورياح الرفض. وحين يحاور الشاعر نصه الشعري فإنما يفصح عن رؤية للشعر بوصفه بوحاً للروح وفضحاً لخفايا النفس لأن الشاعر ينساق مع مشاعره فلا يكتم شيئاً في شعره عن عدو أو صديق، ومن هنا يأتي عتابه منسجماً مع هذه الرؤية.

ويحاور النص الشواهد الأزلية ومظاهر الطبيعة في سياقات شعرية مختلفة، ومنها الليل والسحب والشمس والقطر على أنها شهود على مأساة هذا الزمن العربي الراهن، ومن ذلك قوله في قصيدته يافا(19)

ياسحب لي قلب تجاذبه الهوى

وهموم ليل كالمغارة أليل

أحرقت حب الفاتنات وعيشها

وذبحت في يافا غرام تغزلي

ياليل والأطفال من أبنائنا

أسرى وأشلاء تباد وتصطلي

ياسحب أجنحة الفؤاد تكسرت

ومجادف الكلمات لم تتحمل

يامهجة الشمس المنيرة أشرقي

وبكل أجيال الفداء تكتلي

ويمنح الحوار هنا السحب والليل والشمس حياة إذ تتشخص هذه المظاهر الطبيعية أناسي تعي حزن الشاعر وتحس بمأساته لذلك فهو يلجأ إليها شاكياً همه الراسخ وحزنه المقيم وفي سياق استعاري نابض.

ويتواصل النص مع بعض تقاليد الشعر العربي وتعابيره لاسيما ان شعر عبدالولي الشميري موصول بتجربة الشعر العربي من حيث تقنية الشطرين والحرص على القافية الموحدة بوجه عام بيد أن هذا لم يمنعه من صياغة قصيدة تفعيلة في خاتمة مجموعة أوتار،ويتجلى هذا التواصل مع الشعر العربي عامة في مظاهر كثيرة ومحاور شتى، وفيما يتعلق فان الشاعرقد يحاور السحاب وصولاً الى الدعاء بالسقيا لصنعاء(20)

جد يا سحاب على أزهارها مطراً واسجد على ربوات الفل ساقيها

ودفق السيل في آكامها سحراً يشتاق ثغرك في كانون واديها

ومن الواضح ان انتماء قصيدة الشميري للقصيدة العربية ذات الشطرين لايقف عند حدود التقنية الشكلية ذات الهندسة الايقاعية الصارمة والقافية الموحدة بل ان معجمه الشعري يزخر بالتعبيرات التراثية الشائعة في بناء القصيدة العربية، وهذا لايمنع على وجه الإطلاق قصيدة الشاعر بهذا العصر وانسجامها معه وتعبيرها عن أدق تفاصيله وأصغر جزئياته وينسجم مع ماذكر قول الشاعر مخاطباً نديمه (21)

يانديمي لم نعد حرساً لم نعد في عصرهم جلسا

ويأتي هذا في سياق حوار تحريضي يهدف الى الرافض والوقوف في وجه الشائه والمعتم في حياتنا الراهنة وينسجم مع ماذكرعن تواصل الشاعر مع تجربة القصيدة العربية عامة حواره مع الدهر ومع ساري البرق ومضرم الوجد(22)

أيه يادهر من دموع الثكالى واليتامى خلقت بؤساً وفتنه

يرد هذا البيت في قصيدة عنوانها بكائية العالم الجديد إذ ينعى الشاعر المرهف هذا التوجه الدموي لعصرنا الراهن وباتجاه الحروب والصراعات المفضية الى القتل والدمار.

------------------------------

الهوامش:

الدكتور عبدالولي الشميري، أوتار، مؤسسة الإبداع والآداب والفنون، صنعاء، ط2 /2003، وللشاعر كتب في مجال السياسة والثقافة العامة وهو مؤسس منتدى المثقف العربي في القاهرة ومؤسسة الإبداع في صنعاء.

(1) علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بيروت، دون تاريخ ج4، ص83.

(2) جون برين، كتابة الرواية، ترجمة مجيد ياسين، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 3991م، ص 87.

(3) ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة د. فتح الله محمد المشعشع مكتبة المعارف، بيروت 9791م ص، 22.

(4) اوتار، ص 55، ص 65، ص 75، ص 101.

(5) اوتار ص76، ص 36، ص 38.

(6) اوتار: ص821، ص 421.

(7) اوتار، ص 34، ص 27، ص28، ص88، ص111، 911.

(8) د. جلال الخياط، الاصول الدرامية في الشعر العربي، دار الحرية للطباعة، بغداد 2891، ص7.

(9) د. عز الدين اسماعيل، الشعرالعربي المعاصر، قضاياه، وظواهره الفنية والمعنوية، دار العودة ودار الثقافة ط3 بيروت 1891، ص03.

(10) اوتار، ص92.

(11) اوتار، ص36.

(12) اوتار، ص33.

(13) اوتار، ص55 -65.

(14) اوتار، ص57.

(15) اوتار، ص75.

(16) اوتار، ص75.

(17) اوتار، ص76.

(18) اوتار، ص 02-12.

(19) اوتار ص78-88.

(20) اوتار، ص27.

(21) اوتار، ص79.

(22) اوتار،ص701.

 

0/تعليق

أحدث أقدم