قراءة في ديوان " عصب البيت " للشاعر الكبير السيد جلال

 

قَدر الشعراء أن يحملوا هما فوق هم ، فهم مهمومون دائما ، إما بهمهم الخاص أو بهموم العامة التي تؤرق مضاجعهم وتقلق حروفهم ، والشعراء الشعراء تجاه تلك الهموم نجدهم أصنافا :

 

قراءة في  ديوان "عصب البيت" للشاعر الكبير السيد جلال


   ـ  صنفا تأخذه همومه ، ويتملكه بؤسه ، ويفنيه شقاؤه ، ويقعد به حظه العاثر ، فيسلم أو يستسلم ، كما كان الحال مع شاعر البؤس " عبد الحميد الديب " الذي فقد الإرادة والعزيمة أمام بؤسه وفقره وشقائه ؛ فأضاع نفسه وشعره ، يقول :

 

" وهام بي الأسى والبؤس حتى   كأني عبلة والبؤس عنترْ "

  ـ وصنفا آخر يجد عزاءه وسلواه في الكأس والحسناوات ؛ فينطلق يغني لهما ـ وكأنه يهرب من همومه وأوجاعه إلى رحابة الكأس وطراوة الحسن ، كما هو الحال مع الملاح التائه " علي محمود طه " الذي يقول :

" حياتي قصة بدأت بكأس    لها غنَّيْتُ وامرأة جميلةْ "

 

ـ صنفا ثالثا ـ وقليل ما هم ـ يعانون ولا يستسلمون ، يواجهون ولا يهربون ، يقتلون أنفسهم تفكيرا بحثا عن حلول لما تواجهه الإنسانية من عذاب وشقاء ، يذوبون أملا في إيجاد بصيص من نور يلمع هنا أو يضوي هناك ، تثقفوا فوظفوا ثقافتهم ، تعلموا فنشروا علمهم ، أدركوا ببصيرتهم ما لا يدركه غيرهم فراحوا يبصرون ويرشدون ويهدون ، ومن هؤلاء يقف شاعرنا الكبير " السيد جلال " في  زاوية تتيح له أن يرى الصورة بوضوح فينفذ إلى ما خلف البادي للعيان ، ومن هنا كانت معاناته ، ومن هنا كان شقاؤه ، ومن هنا كان بؤسه ، ومن هنا كان عذابه ، يقول في مقطوعته الشعرية القصيرة في مبناها العميقة في معناها  " رحابة "  ص 131  :  " قد لا يتسع الصدر  / لأن يحمل شيئا  /  غير الرئتين وقلبٍ واحد / لكنَّ القلب الواحد يمكنه أن يحمل كل العالمِ  / كل العالم في شخص واحدْ " 

 

 السيد جلال :

رجل لا يحمل في جوفه إلا قلبا واحدا ورئتين اثنتين ككل البشر إلا أنه قلب يحمل كل هموم العالم !    

 

       استمعوا إلى قصيدته " خذني معك " ص97 والتي يرثي فيها الملحن الكبير " عبد المقصود علي " ـ رحمه الله ـ لتروا معي كيف ذاب المرثيُّ مع الراثي ـ والمتوفيُّ مع الحيِّ ، حتى لكأني به يرثي نفسه ، ولعل في العنوان ما يشي بذلك  ، بل وقفة إحصائية مع حقل الكلمات التي اعتمد عليها الشاعر يرينا ـ بما لا يدع مجالا لشك ـ مدى معاناة  السيد جلال الحياتية ، والاجتماعية ، والوطنية ، والوظيفية ، والأسرية ، حيث استخدم الشاعر ما يقرب من ( أربعة وثلاثين مفردة ) مسكونة بالمعاناة والألم :

 

( المسافر ـ الزائلين ـ تركتني ـ سكت ـ الموجوع ـ تطويه ـ النسيان ـ هجرته ـ مرتعش ـ حيران ـ الشعر الأبيض ـ الأحزان ـ همّ الوطن ـ العمر المسروق ـ هم الفجر الآتي ـ آهات المغتربين ـ أفتش ـ جناحي المفقود ـ حلم لم يتحقق ـ حبيس ـ تؤلمني ـ الفرقة ـ الموت ـ أبكي ـ مكتئبا ـ مغمورا بالآلام  ـ لن يأتي ـ المهموم ـ جفاف اللحن ـ دموع وداع ـ بكاءك ـ  الوجد ـ المهاجر ، وأخيرا خذني معك ) .

 

  وزيادة في التأكيد على ما ذهبت إليه اقرءوا قصيدته " النوة " ص 75 والتي اشتملت على ( واحد وأربعين لفظا ) من نفس الحقل الدلالي المفعم بالقلق والمعاناة والألم والخوف والشقاء زالفقد والضياع :

 

( بعثرت ـ ما أبقيت ـ خانني ـ يخونني ـ خانتني ـ الجروح ـ النازفة ـ خانه ـ الهلاك ـ مشردا ـ زائغتان ـ لاهثا ـ الراجفة ـ بدت ـ قيدته ـ تركته ـ لجة ـ هشمت ـ الهموم ـ الأحزان ـ الصداع ـ يشج ـ سواد ـ يطرحه ـ حطام ـ ينتفض ـ طواحين ـ الحروب ـ يختنق ـ أدس ـ مغمضتان ـ لا حياة قط ـ أسقاما ـ ملح ـ أجاج ـ ينخر ـ النتن ـ حمولا ـ أثقلت ـ يموت ـ الطوفان ) .

 

      هو حقا شاعر يعاني على جميع الأصعدة ، حياتيا ، اجتماعيا ، إبداعيا ، وإن كل حرف يكتبه يمثل عصارة تلك المعاناة التي يتفجر بها عقله ، ويلتهب بها قلبه ، استمعوا إليه في قوله ص94 حيث قصيدته " تغارين " التي يجمع فيها مفرداته الحياتية التي التصق بها أو التصقت به ( لوحة المفاتيح ـ النت ـ قلمه ـ هاتفه ـ كتبه ـ حديث الأصدقاء ) في محاولة بائسة منه لأن يطمئن قلب محبوبته ـ زوجته ـ  ألا تغار من وجود كل هذه الأشياء في حياته ؛ إذ هي ليست سوى زيف ووهم وخداع ، أما أنت أيتها الحبيبة فالحقيقة والصدق . فأية معاناة تلك التي يعيشها وتعيشه ، يقف خلالها محاولا تقديم براهين الإقناع لتلك الأنثى ذات الطبيعة التي تتأبَّى على الإقناع ، وتأبى الاقتناع ، حتى وإن حاول اللعب على دغدغة مشاعرها القلبية بقوله :

 

" فأنت الشَّمال وأنت الجنوب / وأنت الشروق وأنت الغروب / وأنت الحياة وأنت الممات / فبعدك موت ، وبعدَك لا شيء حيْ "   فلا هو بمستطيع إقناعها ، ولا هي أنثى تقبل الاقتناع ، وكأنهما شطرتان لبيتين لا تجتمعان .

 

وقصيدته " حب قبض النار " ص 147 والتي يحاول فيها أن يقنع محبوبته ـ زوجته ـ أنه لا يبحث عن تجربة حب جديد ، ولا عن بديل عنها ـ رغم ما يمر عليه كل يوم من مغريات ـ فهي ـ على حد قوله ـ : " أنا لا أبحث عن تجربة أخرى / فأنا في كل صباح / أعرف أنثى غيرك / أبهى / أنقى / أزكى / ثم يجيء الليل أراها أنتِ / فرحيقك تجربة / لمساتك تجربة / أنفاسك تجربة / تكتب كل خواطرها فوق سطور فؤادي بالإزميل "

 

  السيد جلال :

نزف على الورق في كل ما يكتبه من شعر أو قصة أو مسرح ، يكاد ينفجر عقله  من كم الحقائق التي أحاط بها علما ، ويصيق صدره من كم الانفعالات التي يغلي بها .. ولعل قصيدته " عصب البيت " التي ارتضاها عنوانا لديوانه تؤكد لنا ذلك ، استمعوا لقوله منها ص128  وهو يرى صدره المكشوف ، واليتم القاهر بعد موت أمه :

 

" لا صدر الآن ورائي  / لا حضن / موعود منذ نعومة أظفاري أن أجلد / أن أحرم / أن يطحنني الغم / ويبعثرني فوق مياه جارية باليم "  وهو ـ عبثا ـ يحاول أن يجمع عِقد الأسرة بعد أن انفرط :

 

" حاولت كثيرا يا أمي / أن اجمع شمل البيت / عبثا حاولت / وجه البيت كئيب وعبوس في وجهي / يأبى إلا أن يلفظني .... وبكيت على قدميه طويلا كي يسمعني / حملق في وجهي محتدا / ثار علي وروَّعني ... "

حتى وهو في لحظة لا تتكرر كثيرا وسط زحمة حياتية قاهرة ، حيث يرقص وحبيبته رقصة عيد الميلاد ص 103 لا تفارقه مفردات العذاب والمعاناة مثل ( الموت ـ الوحدة ـ الآهات )

 

إنه شاعر قلق من ماضيه ، قلق من حاضره ، قلق من آتيه ، ولعل مقطوعتيه : " زائر " ص116 ، و" لا تعتذري " ص 74 ، تبرهنان ، بل هما مرآتان تكشفان تلك الزاوية القلقة في حياة السيد جلال ؛ حيث نجد الأولى ( زائر ) حبيب لم يدخل إلى قلب محبوبته إلا من باب الزوار ، رغم أنه يعشقها منذ نعومة أظفاره ، ولكنه حتى اللحظة عاجز عن سبر مكنونها ، ومعرفة مدنها ، وفتح قلاعها .

 

وفي الثانية : ( لا تعتذري ) يكشف عن طبيعة تغيرت ، وسلوك طرأ ، لا يستطيع ـ وهو اليد جلال المعنيُّ  بكل تفصيلة وهمسة ولمسة ـ  لا يستطيع أن يغض الطرف عن هذا السلوك ، وذلك التغيير ، ولا يجد إلا النفيس من خلال حروفه .

 

بصمة فنية

السيد جلال :

صاحب العقل المفكر ، والقلب المتوهج ، عميق في فكره كما هو عميق في شعره ، ليس من هذا الصنف من الشعراء الذين يستهويهم مطلع ، أو يحفزهم  تركيب ، أو تأخذهم صورة ، بل هو من ذلك الصنف المفكر الذي يعكف طويلا طويلا على قصيدته  يقلب أوجه معانيها حتى تستقيم له القصيدة  لفظا ومعنى وتركيبا وتصويرا وموسيقا ، وليس معنى ذلك أن شعره ذهني جاف يعلو فيه كعب الفكر على هدير العاطفة ـ حاشاه ذلك ـ وإنما قصدت أنه ـ أي شعره ـ  مزيج من عاطفة ملتهبة ، وفكر متأنٍ ، لا يقف عند حدود القشرة الظاهرة ؛ لا يزعجه اللهاث خلف تركيب لغوي ، أو صورة شعرية ، وإنما يشغله ويؤرقه كيف يصل إحساسه ومعانيه إلى المتلقي ـ قارئا أو مستمعا ـ  بدرجة متساوية تماما مع وجودهما في قلبه وعقله ؛ لذلك فهو لا يختبئ وراء بهرجة لفظية فارغة ، أو صورة غير منطقية وإن بدت مبتكرة ـ أو موسيقا زاعقة صاخبة ، بل بهمس بالحرف وبالتراكيب وبالصور وبالموسيقا ، يجمع مادة صورته من مفرداته الحياتية وواقعه المعيش بعيدا عن إسفاف التفعيليين وجنوح الحداثيين ، اسمتعوا لقوله  ص 132 كمثال لما قلت ، حيث تطل علينا مفردات تنقلنا لصحن بيت ريفي حيث نرى ( فرن الخبز ، الفطير المعجون بالسكر ، البطاطا الساخنة ، السمك البلطي ، الذرة المشوي ) .

 

إنه يعتمد بمتياز في رسم عالمه الشعري على مفرداته الحياتية ، وصوره الواقعية التي يعيشها ويعايشها ، وصياغات وتراكيب سهلة التناول تصل بما يجيش به لنفس المتلقي في سهولة ويسر ، لا يقف كثيرا عن حدود البلاغة القديمة من تشبيهات واستعارات وكنايات ، أو تراكيب محبوكة السبك ، أو ألفاظ معجمية قوية ، هذا بالرغم من حفاظه على لغته ، وهضمه لتراثه .

 

  وأختتم تلك التطوافة العجلي مع الديوان مع قصيدته الرائعة الماتعة ( ميلاد قلب ) ص 41 والتي تؤكد ما بدأت به من أن السيد جلال صنف من الشعراء لا يقتله عذابه ـ وإن تألم ـ ولا يسلبه شقاؤه ـ وإن اكتوى ـ ولا يحاول الهروب ـ وإن تأذى ـ وإنما هو الباحث عن المثالية والنبيل والفضيلة، الباحث عن عالم كله حب، يجتمع فيه كل قلبين معا، ويحلقان في نعيم وسعادة ، وقد اختفى من قاموسه اللغوي تماما كلمات: الموت والنهاية والفراق والفقد واليتم ونحو ما كان من قبل، يقول فيها :

 

" اصدقيني .. / هل هداك القلب لي / مثلما قلبي هداني / إن دعاكِ الشوق حقا / فابعديني الآن / عن هذا الوجود / واحتويني بين جفنيك / احفريني كلمات / فوق صفحات الفؤاد / ذا فؤادي في يديكِ / اغسليه الآن من أحزانه / عوديه الفرح دوما من جديد / ذوبي كل الجليد / وكفاني / ها أنا قد عدت طفلا / طاهر النفس / نقي القلب والروح / كالفراشات أطير العمر / طلقا في ارتياحِ / أحمل الحب كتابا صادقا للكون / مسطورا هنا فوق جناحي / ثم أعدو ألثم الزهر نديا / في مساء وصباح / اصدقيني .. / أي سحر مس قلبي / صار كالعصفور حرا / طار مني في الهواء / طار حتى / صار نجما في السماء / قد بنى عشا لروحينا هناك / في الفضاء / اصدقيني .. ذوِّبيني / ذوبيني كالجليد / ذوبي ثلح حيائي " .

 

الشاعر / محمد حافظ حافظ

0/تعليق

أحدث أقدم