مؤمن الهبـاء يكتب: أم أنجلو.. عمدة تونس

 

كنت أتجول ذات صباح، خلال الأسبوع الماضى، فى الفضاء الاليكترونى كعادتى، وكانت عينى على الساعة حتى لا تأخذ جولتى الصباحية أكثر من الوقت الذى حددته، لكننى فوجئت بمقطع مصور"فيديو" ينسينى الوقت، شاهدته أكثر من مرة وأنا فى غاية الدهشة، سحرتنى الحكاية، وسحرتنى بطلتها، وتمنيت أن أعود إلى شبابى كى أذهب إلى مسرح الحدث فى قرية تونس بالفيوم، وأنقل تجربة السيدة الرائعة " أم أنجلو" التى غيرت حياة أهل هذه القرية، ليس بالخطب والمواعظ، وإنما بالمعايشة والمشاركة، وتركت فيهم ولهم ماينفع الناس ويمكث فى الأرض .

 

مؤمن الهبـاء يكتب:  أم أنجلو.. عمدة تونس


تملكتنى فكرة أن أكتب عن "أم أنجلو" وما صنعت، وكلما شاهدت " الفيديو" ازددت اقتناعا وإصرارا على أن أخصص لها هذه الزاوية، فلعلها النموذج الطيب لمن قال فيهم ربنا جل شأنه: "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين " آل عمران آية 115، أو لعلها ممن وعدهم سبحانه فى قوله: " ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا " النساء آية 123 ـ 124.

 

إنها إيفلين بوريه، أو " أم أنجلو" كما كانت تحب أن يناديها أهل القرية جريا على عادتهم، فنانة سويسرية ولدت عام 1939، ودرست فى بلدها الفنون التطبيقية، وعندما جاءت إلى مصر مع زوجها، شاعرنا المرحوم سيد حجاب، رفضت حياة المدن، واختارت أن تعيش فى قرية تونس التابعة لمحافظة الفيوم، أحبت القرية وأهلها، وحققت فيها وفيهم حلمها الكبير، حولتها من قرية فقيرة نائية إلى قرية منتجة غنية ومزار سياحى، ليس بها عاطل واحد، وأحدثت فيها نقلة حضارية هائلة لصالح الناس الذين عاشت واحدة منهم، لم تتكبرعليهم فوثقوا فيها وتعلموا منها.

 

حين حطت رحالها فى القرية منذ مايقرب من نصف قرن شد انتباهها أن الأطفال يلعبون بالطين على شاطئ الترعة، ويعجنون التراب بالماء فى الحوارى ليصنعوا من الطين عرائس ووجوها وتماثيل لحيوانات، فقررت أن تأتى بهؤلاء الأطفال إلى بيتها، لتطور مهاراتهم ومواهبهم، ولتحول هذا العبث الطفولى العشوائى إلى فن وحرفة تدر دخلا، وشيئا فشيئا تحول البيت إلى مدرسة لتعليم الفتية والفتيات الرسم وصناعة الفخار والخزف، واشتهرت القرية بمنتجاتها، وصار السياح يأتونها من كل مكان فى العالم ليروا جمالها وفنونها.

 

ويبدو أن الفيديو المنشورعلى الفضاء الالكتروني هو الوسام الشعبى لهذه السيدة الرائعة التى توفيت دون أن نسمع عن ارتباطها بأية مجالس قومية أو جمعيات نسائية، ودون أن نسمع عن تكريمها من أية مؤسسة وسط هوجات التكريم لأهل الفن والرياضة، رغم أنها ومثلها الدكتور مجدى يعقوب وغيرهما من أهل العطاء الخيرى، هم الأجدر بكل تكريم من مصروالمصريين.

 

يبدأ الفيديو بطفلة تقول:" كنت أذهب مع أختى الكبرى إلى " أم أنجلو" وكلما رأتنى تقول لى أنت جميلة جدا، كانت تحبنى وأنا أحبها جدا"، هكذا كان الرباط بينها وبين الناس، يبدأ من الطفولة، ويبدأ بالحب، ثم يسجل الفيديو شهادات الأهالى الذين ارتبطوا بها وعملوا معها، وشهادات زملائها الفنانين التشكيليين الذين عرفوا قصتها عن قرب ورصدوا تجربتها، هؤلاء جميعا أكدوا أن إيفلين بوريه، أو "أم أنجلو"، كانت مؤمنة بأن الفن قادرعلى التغيير، وأن المجتمع القروى البكر فيه كل العناصر المشجعة على النجاح بشيء يسير من الجهد والتوجيه، وقد دقعها هذا الإيمان إلى إحداث التغيير الشامل الذى تصبو إليه، فكانت سببا فى فتح المجال للأهالى كى يبدعوا وينجحوا، وكانت أيضا سببا فى فتح أبواب الرزق أمامهم .

 

ولعل أوضح نموذج للتغيير الذى أحدثته كان فى وضع المرأة الريفية التى لم تكن تتعلم أو تخرج من البيت، وليس لها دخل مستقل، لكنها بفضل جهود "أم أنجلو" وصلت إلى الجامعة، وصارت تعمل وتبدع وتساعد فى بناء المجتمع الجديد القائم على المشاركة، وتغير تفكير المرأة وطموحها، وتغيرت أيضا نظرتها لنفسها ونظرة الناس لها .

 

تقول أم راوية: " التحقت بالعمل مع "أم أنجلو" وعمرى 17 عاما، والآن عندى 65 عاما، وطوال هذه السنين كانت أعز أخت وصديقة، وأهم ما اكتسبت منها أن عمل المرأة ليس عيبا مادامت ملتزمة بشرفها وكرامتها ". وقالت شابة قروية : " لم نتعلم منها صنعة الفخار والخزف فقط، وإنماعلمتنا الرسم أولا، وعلمتنا الأسلوب الصحيح للتعامل، كيف نتكلم ونحب ونحترم المواعيد والنظام، كيف نحافظ على نظافة الشوارع، ومازال كل واحد منا يحتفظ برسوماته التى بدأ بها مع " أم أنجلو" وهو طفل، كانت بحق عمدة تونس وضابط الأمن فى تونس، كانت كل شيء".

 

أما هى فتقول: " أنا لم أفعل شيئا، الناس هم الذين فعلوا، أنا فقط تكلمت معهم عندما وجدت عندهم الفن التلقائى أكثر منا، نحن دخلنا المدارس ودرسنا الفن لكن فنون أطفال الريف ومواهبهم طازجة، لم أقل للناس غيروا حياتكم، لكن التغيير جاء بالممارسة".

 

نعم.. هى لم تهتم بالتنظير، ولم تؤلف كتبا عن مشاريع التنمية، ولم تشترط أن يغير الناس طريقة حياتهم ويتخلواعن تراثهم ويتشبهوا بالأوروبيين حتى ينهضوا، لم تهتم بالكلام وإنما اهتمت بالعمل، غرست نفسها فى حياة الناس وتفاعلت معهم وعاشت مثلهم، احترمت ثقافتهم وتعلمت لغتهم، فنجح مشروعها، وأنجزت مافشلت فى إنجازه حكومات وأحزاب ودعاة وقادة رأى ومثقفون .

 

ترى.. كم سيدة مثل "أم أنجلو" نحتاج كى تتغيرالحياة فى قرانا إلى الأفضل؟! وكم من الوقت سننتظر حتى تأتينا مثل هذه السيدة الملهمة.

 

 

0/تعليق

أحدث أقدم