إبادة الكتب.. تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين

 

يروي كتاب "إبادة الكتب.. تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين",  الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية لمؤلفته "ربيكا نوث" وترجمه للعربية الباحث المصري عاطف سيد عثمان، عشرات الوقائع المأسوية لإحراق وإبادة الكتب والمكتبات خلال القرن العشرين، الذي يوصف بأنه الأكثر دموية بين القرون جميعاً إذ كان فيه القتل الجماعي للمدنيين هو سبب معظم الوفيات خلاله، وهو القرن الذي شهد إبادات جماعية مماثلة للكتب، وكل ما يمثل الثقافة والحضارة.

 

إبادة الكتب.. تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين

تتناول الكاتبة ربيكا نوث ظاهرة حرق الكتب في القرن العشرين، وردود الأفعال على تدمير الأعيان الثقافية، مع الإشارة إلى ما يربط هذه الظاهرة بجريمتي الإبادة الجماعية والعرقية، بالإضافة إلى إلقاء الضوء على ظهور المكتبات ووظيفتها، وروابط المكتبات بالتاريخ والذاكرة الجمعية والهوية والتنمية.

 

وتتساءل الكاتبة عن الفارق بين الذين تفجعهم كارثة تدمير الكتب والمكتبات، وبين الذين يلقون بالكتب طواعية بل وبابتهاج في قلب النيران؟ وكيف تنسجم مُثل التقدم الإنساني مع العنف والتدمير الواسع النطاق للثقافة اللذين ميزا القرن العشرين؟

 

وترى الكاتبة أن العنف تجاه الكتب والثقافة عامة، والذي تقوم به أدوات السلطة، ليس مجرد نزعة شر محض، بل يأتي في سياق الصراعات السياسية التي اندلعت في القرن الماضي، خصوصاً في تلك التي بنت أنظمة شمولية، وتحولت منظوماتها العقائدية إلى إيديولوجيات راديكالية.

 

اختارت الكاتبة عدداً من الأنظمة السياسية التي سجلت تدميراً هائلاً للثقافة وكتبها لأسباب ايديولوجية وسياسية.

 

أول هذه الحالات هي النظام النازي في ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين. وجدت القومية والإمبريالية والعسكرية العدوانية والشمولية لنفسها جميعها مواضع راسخة في مجتمع ألمانيا في ظل قيادة هتلر.

 

إضافة إلى إبادة أكثر من 21 مليون رجل وامرأة وطفل، سعى النازيون إلى الاستيلاء على التراث الثقافي لأعدائهم أو محوه في أثناء موجات العنف. خلال سعيهم هذا، استخدم النازيون تدمير الإرث القومي والإثني سلاحاً من أسلحة الحرب، وأداة للإبادة الثقافية أو الحط من قدر الثقافات الأخرى، ووسيلة لبناء مستقبل مصطبغ بالصبغة الألمانية.

 

كما شدد النازيون إجراءات الرقابة على المطبوعات ونهبها، وفي النهاية تدمير الكتب والمكتبات وفقاً لتصنيف الفوقية والدونية العرقية والإثنية بما جعل البشرية تخسر في الثقافة كما خسرت في زهق الأرواح.

 

في مقابل النازية، كانت الأنظمة الشيوعية تأخذ المسار نفسه في التصدي لكل فكر يتناقض أو يتعارض مع منظومتها الإيديولوجية.

 

لعل المثال الأوضح والأفدح هو ما عرفته الصين خلال فترة الثورة الثقافية في ستينات القرن الماضي. المدهش أن الصين نفسها عانت من تدمير الكتب والمكتبات على يد اليابانيين في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي، حيث سادت في اليابان نزعة قومية متطرفة، عنصرية وتوسعية، فتسبب تخريبها ونهبها وإحراقها وقصفها الوحشي للصين عن تدمير حوالى عشرة ملايين كتاب.

 

بعد قيام النظام الشيوعي عام 1949، انتهج الشيوعيون أساليب إبادة الكتب التي تحولت إلى حملة متواصلة، حيث كان القادة الجدد يريدون كتباً يتولى مفكروها وكتابها إنتاج أفكار مؤيدة للحزب الشيوعي ولعقيدته الشمولية. يسجل المؤرخون إن التدمير الذي مارسه الشيوعيون، والذي طاول الكتب والمخطوطات والوثائق، قد فاق الضرر الذي أحدثه اليابانيون في حملتهم الصينية. لعل الفترة الأسوأ في تاريخ الصين كانت فترة الثورة الثقافية، حيث أبيد قسم كبير من التاريخ الثقافي العميق للصين والذي يمتد قروناً الى الوراء.

 

أطلق ماو تسي تونغ الثورة الثقافية عام 1966، سعى فيها إلى تحويل التعليم والآداب والفنون وجميع الأشكال الأخرى للبنية الفوقية الثقافية الى ما يتوافق مع أفكاره الشيوعية. مارست الثورة عمليات تطهير هائلة طالت الجامعات والمدارس والمعاهد التقنية. خلال الثورة، جرت حملات واسعة لمصادرة الكتب التي لا تتوافق مع مبادئ الثورة، فأتلفت الملايين منها، وهي كتب تتناول جميع مصادر الثقافة.

 

ولم ينج العالم العربي من مشاهد تدمير الكتب والمكتبات. المثال الحديث الأبرز كان خلال غزو العراق للكويت في العام 1990.

 

خلال الاحتلال العراقي الذي امتد لستة أشهر، عمل العراقيون على تدمير الآثار الثقافية للكويت ومؤسساتها. وقد كانت المؤسسات الثقافية والتعليمية، بما فيها المكتبات ومراكز المعلومات، الأكثر تضررا من جراء الغزو العراقي. واستخدمت المدارس مراكز قيادة ومستودعات ذخيرة، ودُمّر نحو 43 بالمئة من مخزون الكتب. ضاع أكثر من مليون كتاب. كما ان تفكيك المكتبات العامة ونهبها أفقدها نحو 140 ألف مجلد .

 

أما الدمار الأسوأ فكان في المكتبات الأكاديمية، حيث جاء عدد من المديرين الاكاديميين العراقيين وأشرفوا على عملية نقل الكتب. كما أتلف حوالى نصف مليون كتاب من مكتبة جامعة الكويت.

 

تلك بعض النماذج التي أشارت إليها الكاتبة ولها في معظم البلدان الاستبدادية ما يشابهها.

 

وأشارت الكاتبة أنه في القرن الحادي والعشرين، ومع مرور عقدين تقريباً، لم يشهد العالم نماذج قريبة مشابهة لما عرفه القرن العشرون.

 

وأرجعت ذلك إلى الثورة التكنولوجية ووسائل تخزين المعلومات والكتب والوثائق، التي تكون سببا في نزع احتكار السيطرة على الكتب وإبادتها من السلطات السياسية.

 

لكن وسيلة الاستيلاء راحت تنحو وجهة مصادرة هذا الكتاب أو ذاك كوسيلة ضغط على المؤلفين. إذا كانت المجتمعات المتقدمة والتي تحترم بعض قيم الديموقراطية، لا تشهد مثل هذا التضييق على الثقافة والكتب، إلا أن معظم الدول الاستبدادية لا تزال ترى في الكلمة المكتوبة خطراً عليها. لذا تستمر مصادرة الكتب أو منع نشرها سياسة منتظمة كوسيلة في قمع حرية الفكر والتعبير.

 

ومما يذكر أن الكاتبة ربيكا نوث، أستاذة بجامعة هاواي، برنامج علوم المكتبات والمعلومات، تتركز أبحاثها في مجالات الرقابة على المطبوعات، والحركة الفكرية، وعلم المكتبات، وتاريخ الكتب والمكتبات، والعلاقة بين التطرف والتدمير الثقافي.

 

أما المترجم فهو عاطف سيد عثمان، تخرج في كلية الألسن قسم اللغة الإنجليزية، جامعة عين شمس عام 2001، ترجم وشارك في ترجمة ومراجعة عدد من الكتب، منها:


مقدمة قصيرة عن العنصرية، ودراسات أكسفورد للإحالات الضمنية، ودليل كامبريدج للخيال العلمي، ودراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، ومزايا الديموقراطية: كيف تعزز الديموقراطيات الرخاء والسلام، والتحديث والديموقراطية والإسلام، والحادى عشر من سبتمبر والإمبراطورية الأمريكية: المفكرون يتحدثون.

 

عرض/ محمد سيد بركة

 

معلومات الكتاب:

الكتاب: إبادة الكتب.. تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين

المؤلف: ربيكا نوث

الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت

المترجم: عاطف سيد عثمان

عدد الصفحات: 375 صفحة من القطع المتوسط

تاريخ النشر: 2018

0/تعليق

أحدث أقدم