د. هاني سليمان يكتب: حدث ولم يحدث

لم يكن هناك حدث معين أدى إلى اشتعال الموقف، البعض يقول أن زيادة الأسعار التي حدثت على مدار سنوات والتي تفاقمت بالزيادة الجديدة هذا العام كانت هي السبب، والبعض يقول أن قرار تعويم الجنيه مرة أخرى كان هو السبب، والبعض الآخر يقول أن التباين الواضح بين الطبقة الغنية الجديدة التي ظهرت في مصر وبقية الشعب كان هو السبب، وآخرون يقولون أن ازدياد أعداد الشباب الذين يعانون من الفقر والبطالة والذين لم يعد لديهم أمل في مستقبل واعد كان هو السبب، والبعض يقول أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت اعتقال عدد كبير من شباب وسائل التواصل الاجتماعي الذين كانوا ينتقدون الأوضاع في البلد. 

 

د. هاني سليمان يكتب: حدث ولم يحدث

فجأة، وبدون توقع، نزل الآلاف إلى الشوارع، متوجهين نحو العاصمة الجديدة التي سمعوا عنها ولم يروها، وشاهدوا صورها وإعلاناتها وفيديوهاتها على القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتصوروا كيف تختلف العاصمة هذه الجديدة عن أحيائهم وشوارعهم وبيوتهم اختلاف كبيرا، خاصة بعدما سمعوا عن أسعارها وتكاليف المعيشة فيها، والتي تفوق كثيرا جدا إمكانياتهم المتواضعة.

 

الغريب أن من نزل لم يكونوا فقط من اأفراد لطبقة الفقيرة، بل كانوا أيضا من أفراد لطبقة المتوسطة العادية والذين عانوا في السنوات الأخيرة من الغلاء والقهر، وضمت التظاهرات شباب ورجالا ونساءً وحتى أطفالا، وبدا أن المتظاهرين قد اتفقوا على الهدف، ولكن بلا اتفاق.

جاء المتظاهرون بمختلف الطرق، جموع كبيرة منهم جاءت تسير على أقدامها في مواكب ضخمة، ومنهم من نزل راكبا ميكروباسات وأتوبيسات وسيارات خاصة، ومنهم أيضا من جاء راكبا توك توك من أطراف المدينة وأحيائها المتواضعة، وكأنهم تواعدوا على اللقاء، ولكن بدون موعد. 

  

توحدت الجماهير منطلقة نحو العاصمة الجديدة، فوجئت قوات الأمن بالحشود، واستغرق الأمر بعض الوقت حتى جاءتها الأوامر بالتعامل الجاد مع المظاهرات، وبدأت قوات الأمن بالوقوف أمام المتظاهرين ومحاولة إقناعهم بفض التظاهر، ولما لم تلق استجابة منهم، بدأت بإطلاق قنابل الغاز نحوهم، والذي لم يزد المتظاهرين إلا إصرارا على المضي نحو هدفهم، وبدأوا في إلقاء الأحجار على قوات الأمن والتشابك بالأيدي مع أفرادها.

 

تصاعد الأمر بسرعة، وبدأت قوات الأمن في إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين العزل، وهنا بدأت الجموع في التصرف بطريقة مختلفة، فقد ركب بعضهم الميكروباسات والأتوبيسات التي جاءوا بها ليخترقوا قوات الأمن مفسحين الطريق لبقية المتظاهرين، والتي اندفعت لتشق طريقها عبر قوات الأمن والحواجز الخشبية والأسلاك الشائكة لتصبح حرة تماما في طريقها نحو الهدف.

 

عندما وصل المتظاهرون إلى أسوار العاصمة الجديدة، وجدوها قد أحيطت بقوات كبيرة من الأمن لتمنعهم من الوصول إلى الأسوار واقتحام المدينة، ووجدوا أيضا أن قوات من القناصة قد تمركزت على أسوار المدينة انتظارا لتلقي الأوامر بقتل كل من يقترب من الأسوار، وحلقت طائرات مروحية فوق رؤوس المتظاهرين مهددة ومتوعدة من يقترب.

 

وسرعان غيرت الجماهير من أسلوبها، وبدلا من وقوفها كلها أمام المدينة، بدأت بناءً على تعليمات غير مسموعة من داخلها بالالتفاف حول المدينة، لتصبح المدينة محاطة تاما بحشود المتظاهرين، والذين ازدادت أعدادهم بصورة كبيرة بتوافد أعداد هائلة أخرى، حتى أصبح يبدو أنه لا يوجد مفر من وقوع صدام كبير ومميت بين الجانبين.

 

لكن ما حدث كان غريبا وغير متوقع، فجأة انسحبت جميع قوات الأمن من أمام العاصمة، واختفى القناصة من على أسوارها، ورحلت المروحيات التي كانت تحلق فوق رؤوس المتظاهرين، وبدا الأمر للمتظاهرين أن هناك احتمالين لما حدث، إما أن تكون قوات الأمن قد انسحبت تعاطفا معهم وتأييدا لهم، وحقنا للدماء التي من الممكن أن تُراق، وإما أن هذا الانسحاب يكون فخا قد نُصِبَ لهم لحصدهم عندما يدخلون المدينة.

 

لم يطل تردد المتظاهرين كثيرا، فقد تعالت الصيحات بالمضي قدما واقتحام أبواب وأسوار المدينة، وفي وقت واحد اندفعت الجموع الحاشدة لتقتحم المدينة من كافة الاتجاهات، والتي لم تصمد أبوابها وأسوارها أمام غضب وإصرار المتظاهرين، وليجدوها قد خلت تماما من قوات الأمن والحراسة، فينتشروا فيها كالجراد ويحتلوا كل مبنى فيها وكل برج وكل عمارة وكل موقع.

 

تعالت الأصوات بالحفاظ على محتويات المدينة وعدم تدمير أو تخريب أي جزء منها، فهدأت الجماهير الثائرة، وجلست في أماكنها، في انتظار أن يجد في الأمر جديد.

0/Post a Comment/Comments

أحدث أقدم