جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

منوعات

حي "العجوزة".. استوطنه عمال السُخرة وفضّله الضباط الأحرار!

حي "العجوزة".. استوطنه عمال السُخرة وفضّله الضباط الأحرار!


حي "العجوزة".. استوطنه عمال السُخرة وفضّله الضباط الأحرار!


كتب/ محمد أبو الوفا
قبل نحو 100 عام لم يكن هناك وجود لهذا الحى القاهرى المعروف بإسم "العجوزة" والذى لا يعرف الكثيرون سبب تسميته بهذا الإسم الغريب، وإن كان الكاتب الصحفى أنيس منصور يقول إن الإسم يعود إلى ملكة مصرية قديمة، بينما بداية ظهور هذا الحى على خرائط المساحة الرسمية هو عام 1905. فكيف يحدث ذلك؟!

والطريف أن السبب الأول فى ظهور هذا الحى إلى الوجود وهو الخديوى إسماعيل، إستعمل أيضاً أسم "العجوزة" لوصف هذه المنطقة، التى أستوطن فيها الفلاحون المهاجرون من "قرية" الزمالك.. الحى الأرقى فى القاهرة حالياً!

يقول الباحث التاريخي محمد صفى: ظهر أسم "العجوزة" رسمياً كمسمى جغرافى للمرة الأولى فى خرائط مصلحة المساحة عام 1905 وكانت العجوزة فى هذه الخرائط تتبع إدراياً لقسم عابدين لأن أراضى الزمالك والعجوزة كانتا متصلتين قبل ذلك، فجزيرة الزمالك الحالية لم يكن يحيطها الماء كوضعها الحالى, فقد كانا يفصلها عن العجوزة فرع صغير غير نافذ سمى بالبحر الأعمى، كانت مياه الفيضان تدخله من تحت الكوبرى الأعمى "كوبرى الجلاء الآن" حتى منتصفه تقريباً (عند مستشفى الشرطة الحالية) وكان هذا الفرع يمتلأ صيفاً ويجف باقى أيام السنة فيزرع قاعه بالخضروات شتاء.
حي "العجوزة".. استوطنه عمال السُخرة وفضّله الضباط الأحرار!


وفى عام 1873 بدأ الخديوى إسماعيل فى تشييد قصره الكبير بالزمالك "فندق ماريوت الآن" وإستلزم البناء تحويل مجرى نهر النيل لعزل جزيرة الزمالك وإحاطتها بالماء من كل جانب، حتى يمر نهر النيل فى قلب القاهرة على غرار مرور نهر السين بقلب باريس لتصير حياة الخديوى لها خصوصية متميزة.
حي "العجوزة".. استوطنه عمال السُخرة وفضّله الضباط الأحرار!
ميدان سفنكس

وإستكمل الخديوى مشروعه بإخلاء الجزيرة من سكانها الشعبيين القدامى ساكنى العشش أو "الزمالك"!! حيث تعنى عشة بالتركية "زملك" وجمعها زمالك.. وقام الخديوى بترحيل سكان الزمالك إلى الضفة الغربية للبحر الأعمى ومنحهم أراضى طرح النهر الناشئة بدلاً من أرضهم السابقة فى جزيرة الزمالك.

ولأن الخديوى إسماعيل قام أيضاً بالاستفادة من خبرة عمال السخرة العائدين من حفر قناة السويس فى حفر "البحر الأعمى"، فقد أتى بعدة مئات منهم وأعطاهم أراضى من طرح النهر بالعجوزة، وهكذا نشأت هذه التركيبة السكانية لقرى العجوزة الثلاث.. العجوزة القبلية والبحرية والوسطى من عائلات صعيدية عاد مؤسسوها من حفر قناة السويس أو عائلات فقيرة مهجرة من موطنها الأصلى بالزمالك.
وكان أشهر المهاجرين من الزمالك للعجوزة هو الحاج عبد المنعم عسران "عمدة الزمالك سابقاً" وقد أصدرت له وزارة الداخلية فى عام 1895 أول وثيقة رسمية بتعيينه عمدة "للعجوزات" الثلاث: القبلية والبحرية والوسطى وكانت لعسران هذا شهرة كبيرة فى العشرينات والثلاثينات من القرن الماضى، فقد أشترت منه أم كلثوم أرض بيته القديم بالزمالك وأنشأت عليها فيلتها الشهيرة بشارع الجبلاية ثم كان لهما فيما بعد عدة حكايات طويلة دارت على صفحات الجرائد وفى محاكم الأحوال الشخصية!

ويبقى السؤال المهم.. وهو ما سر تسمية حى "العجوزة" بهذا الإسم الغريب؟
يقول محمد صفى: يسخر سكان العجوزة الإصليين من زعم الكاتب أنيس منصور الذى قال إن "العجوزة" هى ملكة مصرية قديمة من زمن سيدنا موسى، وأنها أنشأت سوراً بين القاهرة وأسوان حول النيل.


ودليلهم البسيط المقنع أن أرض العجوزة ذاتها لم تكن موجودة أيام نابليون ولا أيام الفراعنة فكيف حملت إسم هذه الملكة القديمة.. والمجهولة! أما حقيقة حكاية تسمية حى العجوزة بهذا الإسم فتبدأ من أواخر عهد الخديوي إسماعيل، وبطلها هو محمد شريف باشا الذى كان صديقه وزميل دراسة الخديوي بكلية "سان سير" العسكرية بفرنسا ثم وزير حربيته ثم رئيس وزرائه.
وكان شريف باشا أحد أهم شخصيات فترة الثورة الإعرابية، فقد كان احد مقاومى تغلغل النفوذ الأجنبي بمصر وهو مؤسس البرلمان، وقد أمتلك شريف باشا "30 فداناً" من أراضى طرح النهر بالعجوزة وكانت له أمنية كبيرة هى أن يبنى جامعاً فى ركن أرضه على النيل قرب كوبرى الجلاء، لكنه مات قبل أن يتمكن أمنيته، فإذا بأرملته نازلى هانم إبنة سليمان باشا الفرنساوى (مؤسس الجيش المصري الحديث) تتولى بنفسها تحقيق أمنية زوجها المتوفى وتقوم بالإشراف على بناء الجامع المذكور رغم تجاوز عمرها 90 عاماً!

وقد شاهدها الفلاحون البسطاء من سكان "العجوزات" الثلاث وهى تشرف بنفسها يومياً على بناء الجامع فى مكانه الحالى رغم كبر سنها، فساعدوها العديد من أصدقاء زوجها الراحل فى بناء الجامع ومنهم الشيخ محمد عبده والشيخ الأفغانى ورفاعة الطهطاوى وسواهم.

ويقع هذا الجامع الآن بشارع النيل قرب ناصية شارع نوال بالعجوزة ومازال إسم محمد شريف باشا وزوجته نازلى هانم الفرنساوى محفوراً على اللوحة التذكارية أعلى مدخل الجامع حتى الآن المهم أن سكان المنطقة نسبوا الجامع إلى هذه "السيدة العجوزة" التى ظلت تقف بنفسها تحت مظلة لتراقب أعمال البناء لعدة سنوات، وصار الجامع هو جامع "الست العجوزة" وصار كل ما حوله ينسب إليه وإليها فصار يقال فلان ذاهب عند "العجوزة".. وهكذا.

وتدريجياً صار إسم المنطقة كلها ينسب للعجوزة "نازلى هانم الفرنساوى" حتى ظهر رسمياً فى أوراق الدولة فى وثيقة العمودية الصادرة لعسران عمدة الزمالك ثم عمدة العجوزة عام 1895 ثم فى خرائط المساحة عام 1906، ويقول عادل ثابت مؤرخ الملكية فى مصر: إن الخديوى توفيق نفسه استعمل إسم العجوزة عندما كان يسير على الكوبرى الأعمى "الجلاء الآن" مع بعض ضيوفه الأجانب فلما سألوه عن الجامع الذى كان يقف وحيداً وسط المزارع على ضفة النيل الغربية قال لهم بالإنجليزية (إنه جامع السيدة العجوزة).

حي "العجوزة".. استوطنه عمال السُخرة وفضّله الضباط الأحرار!
شارع نوال

ويتبقى من حكاية "السيدة العجوزة" أو نازلى هانم الفرنساوى أنها كانت تسكن سراي شريف باشا "مقر وزارة الداخلية الآن" وأنها أنشأت على ناصية "تقاطع شارعى شريف والشيخ ريحان" سبيلاً مازال موجوداً حتى الآن، وأنها توفيت فى عام 1915 عن مائة وعشر سنوات، وقد أوقفت 26 فداناً للإنفاق على إقامة شعائر الصلاة ومهمات المسجد والكتاب والسبيل الملحقين به، فكان يصرف لإمامه وخطيبه "30 جنيهاً، وكذلك يصرف "14" جنيهاً لكل من المؤذن وقارئ سورة الكهف كل يوم جمعة.

أنجبت العجوزة "نازلى هانم" لشريف باشا إبنتهما توفيقة هانم التى ورثت عنهما الثلاثين فداناً فى قلب حى العجوزة الحالى، وقد تزوجت توفيقة من عبد الرحيم باشا صبرى رئيس مجلس النواب وأحد أشهر زارعى الزهور فى تاريخ مصر (كانت له وقتها منافسات كبيرة فى هذا المجال مع الليدى كرومر!)وقد أنجبا إبنتين ماتت إحداهما وهى "نوال" فى السادسة من عمرها وحزنا عليها حزناً شديداً، ثم أطلق إسمها على السراي الذى كانا يسكنانه (مقر أكاديمية ناصر العسكرية الآن) فصار إسمها .. "سراى نوال"! وأشتهر هذا الإسم وصار هو إسم الشارع الكبير الذى يقع فيه القصر.. حتى الآن.

حي "العجوزة".. استوطنه عمال السُخرة وفضّله الضباط الأحرار!
تمثال نجيب محفوظ بميدان سفنكس.. ميدان نجيب محفوظ حالياً

ومنذ عام 1928 بدأت أرض شريف باشا وزوجته "العجوزة" نازلى هانم الفرنساوى فى التفتت والتجزئة، فقد بيعت قطعة منها للسفارة السوفيتية "ناصية شارعى نوال والنيل" وقد أصبحت الآن برجاً سكنياً ضخماً، ثم اقتطع جزء آخر فى الأربعينيات لتوسعة شارع النيل الذى ميزته دائماً أشجاره الضخمة العملاقة وكذلك عواماته التى ألهمت الأديب نجيب محفوظ العديد من مؤلفاته وأشهرها "ثرثرة فوق النيل" وهو بالمناسبة يقطن حالياً على مقربة من شارع نوال.

وظل شارع النيل مصيفاً لسكان العجوزة الأصليين البسطاء يفرشون الحصير على الشاطئ ويجلسون ليلاً ليستمتعوا بليالى الصيف، لكن كل هذا إنتهى فى لحظة عام 1966 عندما سقط تروللى باص بركابه فى النيل فى حادث مروع شهير راح ضحيته 88 قتيلاً، فما كان من الحكومة وقتها إلا أن قامت بتنفيذ اكبر مذبحة لأشجار شارع النيل العملاقة الجميلة لتشق شارع الكورنيش الحالى.

حي "العجوزة".. استوطنه عمال السُخرة وفضّله الضباط الأحرار!
هنا كان يسكن الروائي الراحل نجيب محفوظ

ولم تكن هذه المسألة المأساة هى الوحيدة التى عانى منها سكان العجوزة، فقد سبقتها مأساة أخرى عام 1940 عندما باع الملك فاروق 50 فداناً إدعى ملكيتها فى قضية شهيرة إلى شركة بلجيكية قامت بتبوير الخمسين فداناً التى كانت مزروعة للقصب والخضروات وقسمتها إلى شوارع حى العجوزة الحالى الذى أقيمت فيه عمارات جديدة خنقت وحاصرت قرى العجوزة الثلاث من كل جهة، وفكرت الحكومة فى إزالة القرى الثلاث فى أواخر الخمسينات بعد ان صارت نشازاً وسط حى العجوزة الحديث ومن خلفه أحياء المهندسين والأوقاف والصحفيين وكلها بدأت بمجموعة فيلات شهيرة للضباط الأحرار!

واستنجد سكان القرى الثلاث بالرئيس جمال عبد الناصر، فلما تصادف زيارته للمدرسة فى إحدى الحفلات شرح له الصغار أبعاد القضية فتساءل: "من هنا قبل الثانى؟"
فلما قيل له إن قرى العجوزة الثلاث هى أقدم أمر بإلغاء فكرة إزالة أى منهم.
ولكن أزيلت إحدى العجوزات الثلاث عام 1972 لإنشاء كوبرى محلها (كوبرى 6 أكتوبر الآن) وهى العجوزة القبلية ورحل سكانها إلى مساكن ساقية مكى بالجيزة عندما عجزوا عن إثبات ملكيتهم لبيوتهم، لكن كانت رب ضارة نافعة فقد كافح سكان "العجوزتين" المتبقيتين الوسطى والبحرية حتى أثبتوا ملكيتهم لبيوتهم وسجلوها، وحافظوا بذلك على بقائها حتى الآن.
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *