جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

ثقافة وفنونشخصيات

روح الشعر.. سامر الموت وسليم سعيد


روح الشعر.. سامر الموت وسليم سعيد



بقلم/ ناصر صلاح
شاعر اليوم ليس كأى شاعر أخر فله فى قلبى منازل عدة ولأشعاره وإبداعه سحر خاص، فهو الشاعر العربى الكبير أ.د سليم سعيد.. الفدائى الفلسطينى والعالم اللغوى، شارك فى حرب 1967 وتحمل الكثير والكثير فى سبيل وطنه وأمته ومازال يجاهد بقلمه وبنفسه، أبوه من السودان وأمه من غزه، ولد بفلسطين بقرية دورا الخليل، حارب فى الأردن، تعلم وعمل بقطر، حصل الماجستير والدكتوراه من الأزهر، نستطيع أن نقول أنه جامعة دول عربية مصغرة.
هو أحد الأنهار العذبة التى نشأت على أشعارها، وترعرعت على إبداعها، رغم اللقاءات المباشرة القليلة به، لكننا لا نفترق فدوماً ما أسبح بين كلماته فى دواوينه وفى قلبه الحانى يحملنى كإبن وهذا شرف أتيه به، ودوماً ما يناجينى برسائله وبالسؤال عنى ليطمئن أننى مازلت أنعم ببعض الحرية الزائفة فى وطن سجين.

سامر الموت

أما القصيدة الرائعة التى تحتاج من النقاد المتخصصين وقفات وصفحات فهى " سامر الموت" المنشورة بديوانه المتميز "حب وحرب" كتبها الشاعر كمرثية للأحياء والأموات فى تأبين الشاعر العربى الكبير نعيم بسيسو فى بداية الثمانينات وأخذها سليم سعيد طريقاً للمكاشفة وتعرية حكام العار ولسخرية من أحوال وأوضاع الأمة العربية المتهتكة.

"سامر الموت" ياله من عنوان يضعك فى حيرة جميلة!! نعم فالسامر هو المتحدث ليلاً فى حواديت وحكايات ممتعة مع مجموعة من الجلساء أو مع متسامر أخر فى وقت وجو مريحين، لكن أن يضاف للسامر موت.. هنا تبحث فى اسقاط التعبير ودلالته ومراده ومدى ارتباطه بالوحده الموضوعيه والعضويه والنفسية بالنص، فتعالوا الى النص لنرى كل هذا على طبيعته:

كل شىء غير وجه الله زائل
سنة الخلاق تمضى فى الأواخر والأوائل
هكذا الدهر يدور
والبحور
هائجات مزبدات
خافضات رافعات
تصنع الحب وآلاف الزلازل
فإذا حمّ القضاء
سكنت حيتانها بعد الهياج
وانزوى فحلٌ مناضل

يبدأ سليم سعيد قصيدته بلمحة دينية فلسفية عميقة تستند على الموروث القرآنى المعلوم " كل شىء هالك إلا وجهه" ثم ينتقل منها بسفين الحكمة إلى صورة شعرية رائعة تسقط المعلوم على المعاش ليدخل الى مشهد معين بسيسو ولكن من نوافذ أخرى وكأنه يقف من على بعد ليتحدث الى جموع المشيعين.

إنه عرس الشهيد
وارتعاش النائحات
إنه العقم الذى شل القيادات السقيمة
حين أغرتها الوليمة
طعموها أطعموها للقرود
وبها امتازوا الكراسى والبنود
والقصور الباليات
والعقول الخاويات
غير من حقدٍ على كل مناضل
يرفض الذل ويحيى ليقاتل

هكذا فى بضعة حروف يلخص الشاعر الصوره ما بين الكراسى والبنود وبين الحقد على كل مناضل، بين الخيانة والعمالة وبين الوطنية والمقاومة، بين الذين باعوا وبين الذين اشتروا.
هنا يكتفى سليم سعيد بالحديث عن المناضل فالعلم لا يحتاج إلى إشارة، ويبدأ فى إطلاق ذخيرته الحية على العملاء والخونة ويسبح الشاعر ضد التيار ويصل إلى عمق المأساة ليذكرنى بقول الرائع محمد يونس " فتطول مأساة جميع فصولها فصل إذا تم انتكاساً يبتدى" وضع سليم سعيد يده على الجرح وبدأ يضغط بشده ويوضح كيف أن الحكام هم المتلاعبون بالشعوب وهم المدمرون لأمل الأمة شبابها الفتى فيقول:

من ملايين الجماجم شيدوا يا صاحبى سمك العروش
جلبونا كالبهائم
ربطونا من عمانا بالرغيف
هكذا فوق الرصيف
هام قطعان الشباب
الحالمين بدورهم فى صنع أسباب الحياة
"كالشياه"
تقصد السفح الذى ضجت به هوج الرياح
حائرين تائهين
خلف أسوار اليسار
عبر أسواق اليمين
خلف موال المؤذن فى فجاج المسلمين
ينفخ المسكين خمساً فى رماد
يوقظ اللاهين هبوا للفلاح

تأملوا (ربطونا من عمانا بالرغيف) أليس هذا ما نعانيه الآن، أليست الشعوب المقهورة كل ما يهمها لقمة العيش سواء كانت بتراب الأرض أو بدم اخوانهم المهم الطعام، تأملوا أيضا كيف وضع يده على جرح الشباب الذى تاه بين اسوار اليسار وأسواق اليمين، تأملوا كل لفظه مع سليم سعيد فاختار لليسار أسوار تحبس فى النهاية اتباعه خلف فكر عقيم شاذ عن منهج الوسطية، واختار لليمين أسواق حيث تجارة الفكر الدينى وليس الدين، والقنوات التى تبث الطيب والغث ثم فى وقت المواجهة نجد أن الغالبية منهم هُراء.
ياله من إبداع ويالها من مكاشفة لقد وضع يده على الجرح وشخص مشكلة شباب أمتنا الضائع وعزف على وتر الأيدلوجية ووتر الدين، أنظر كيف تحدث إلى الشباب فى قصيدة أخرى محذرا ومناجياً حين قال فيها:

يا جيل أمتنا المضيع أحترس فغدا تباع
وغدا تمزقك العداوات الحقيرة والخداع
وغدا تجرك صفقة التجار بالأفكار فى درك الصراع
لك فى كتاب الله منجاة
فكن متبصرا ودع السماع
لأولئك المتشدقون...
فغداً ستأتى ثورة البركان فيها
يسحقون ويلعنون

نعود إلى قصيدتنا ونشاهد مع سليم سعيد هذا المشهد الذى نراه دائما وهو يتحدث عن مشايخ الوطن العربى فى الوقت الحالى بل فى كل وقت تجد اشباه هؤلاء عن الذى قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم" علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل لكنهم الآن هم بنى صهيون وبنى سلول يقول سليم:

والفلاح!!!
فى خطيب مصقع فوق المنابر
لا يطبق ما يقول
ملت الجدران مكرور الكلام
وسرى فينا التثاؤب
والعقول متخمتٌ بارتعاشات الخواصر والنهود
فى الحواضر

فاقد الشىء لا يعطيه.. الخطيب رجل فاسد وكاذب يطلب من الناس الطاعة لله والسير على هداه كيف؟وهو لا يعمل بما يقول!!، بل تأملوا كيف عبر الشاعر عن هذا (ملت الجدران مكرور الكلام) جدران المسجد لم تعد تطيق سماعه (وسرى فينا التثاؤب) فقط؟ لا بل نحلم بالراقصات والعاهرات فى المدن ونحن نستمع الى الخطيب العاص.
تهتك وانفصال فى كل شىء حتى فى بيوت العبادة بعيدين عن الدين وعقولنا فى واد آخر فإذا كان رب البيت للدف ضارب فشيمة أهل البيت كلهمو الرقص.
ذكرنى هذا المشهد السليمى بمشهد أخر قريب الشبه لعصام الغزالى فى قصيدته "مرثية رجل فى جهنم" حين صور بعض شيوخ النفاق هؤلاء فى قوله: " فيهم شيوخٌ مشرفون على القبور.. حرقوا لحضرتك البخور.. شيخٌ يناهز عمره السبعين عاماً.. هز مسبحةً وقال.. فتدافعت جثث الحقائق من فمٍ لا يستحى .. ولوى أحاديث النبى.. وساقهن تقرباً لخليفتك.. قد كان يفعل مثل ذلك فى بلاطك سابقاً..ويقال كان يقول ذلك مرغماً من خيفتك.. من ذا تراه اليوم يدفعه ليخطب فى الجموع منافقاً .. أهو التطوع بالنفاق؟!" وذكرنى أيضاً بنداء الشيخ عبد الحميد كشك الشهير " علماء الدين يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد".

تعالوا حتى لا نبعد فى متاهات الاستشهادات المتشابهة نتابع سليم سعيد يقول:

حولونا من هداة لحواه
صيروا الاسلام سلعه
جيروا الآيات فى مخزونهم
قهروا الأجيال كى ترضى بهم
زوروا بالعنف بيعه
عمقوا الأنفاق فى أجسادنا
لنراهم سادرين فى بلاد الغرب يفنون الذهب
والأيامى واليتامى الحائرون
يأكلون النبق لا يستغربون
أن يقول الشيخ ربى
إنهم حكموا بالقسط فى دنيا العرب

الصورة لا تحتاج الى شرح ولا تفسير، فهى استكمال للإستشهادات السابقة عاليه.. القهر والذل وفريق الطبالين والرقاصين فى كل زمان ومكان.
لقد لخص الشاعر مشكلة الأمة فى أمرين .. حكام طغاة وعلماء فسده، رأس الأمر وعموده.. والرعية المقهورة على دين ملوكهم ومخدوعون بفتوى شيوخهم، أما باقى الأمة من الشرفاء فهم أهل النضال والتضحية وما أقلهم فى هذا الزمن.
وفى النهاية يوجه سليم سعيد نداء واضح صريح ملؤه الأسى والحزن والصدق والاندهاش، يوجه نداءه وصرخته العالية القوية لملوك العرب:

يا ملوك الشرق هل من كوب ماء
إنه للناشرين الفسق فى الشرق معنون

كل ما يتمناه الشاعر كوب من الماء ، كوب من ماء الحياء .. ماء الخجل ربما يستيقظ المفسدون والجبناء الغافلون المضيعون لحقوق أمتهم ودينهم
ثم يوجه قوله الأخير قوله الفصل الى معين بسيسو مرة ثانية وأخيره وكأنه يقول له باطن الأرض خير لك من ظهرها فيقول:

فزت والله من الهم نجوت
إنما العيش بدار الذل موت
هكذا عشنا مع شاعر قدير وقصيدة رائعة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *