وصف المدون

مجتمع بوست مدونة اجتماعيه توعوية إخبارية تضم بين صفحاتها الرقمية وأبوابها شتى الموضوعات التى تهم الأسرة والمجتمع العربي, أخبار, ثقافة, اتيكيت, كتب, علوم وتكنولوجيا, مال وأعمال, طب, بيئة

إعلان الرئيسية

يطلّ "المجمّع العسكري التقني" على العالم باعتباره الوجه الجديد للحرب في القرن الحادي والعشرين

المجمّع العسكري التقني


في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا وتتضخم فيه قدرات المعالجة الرقمية، يطلّ "المجمّع العسكري التقني" على العالم باعتباره الوجه الجديد للحرب في القرن الحادي والعشرين.

 هذا المفهوم ليس مستقبلًا بعيدًا أو سيناريو خياليًا، بل هو واقع بدأت تجاربه بالفعل، وترتقي بحثه في كتاب AI, Automation, and War: The Rise of a Military-Tech Complex


يقدم المؤلف أنثوني كينغ تحليلًا معمقًا لكيفية دخول الذكاء الاصطناعي (AI) والأتمتة (Automation) إلى قلب الجيوش الحديثة، ليس كبديل للبشر، بل كداعم جوهري لعمليات التخطيط، الاستخبارات، والقيادة.


في هذا المقال نحاول نقل أبرز رؤى الكتاب، ونفك شفرات هذا التحول الهائل، ونرسم ملامح المستقبل — بمزيج من الفرص، التحديات، والمخاطر.


لماذا «المجمّع العسكري التقني»؟

منذ عقود، كان مصطلح Military‑Industrial Complex (المجمّع العسكري الصناعي) يعبّر عن التحالف بين الصناعات الحربية والدول لجعل الحربية — إعداد المعدات، الأسلحة، الإنتاج الدفاعي — صناعة ضخمة ومستقلة.

 

اليوم، لا يقتصر الأمر على صناعة الأسلحة، بل يمتد إلى التكنولوجيا الرقمية — البرمجيات، الخوارزميات، الذكاء الاصطناعي، معالجة البيانات الضخمة (Big Data)، وتعقيدات الحرب المعاصرة ذات الأبعاد السيبرانية والاستخباراتية.

 

هذا ما يعنيه "المجمّع العسكري التقني" — تحالف أو شراكة بين المؤسسة العسكرية وقطاع التكنولوجيا المدني، لتحويل الحرب إلى ساحة تعتمد على البيانات، المعالجة السريعة، والشبكات المعلوماتية.

 

كينغ في كتابه يرى أن هذا الشكل الجديد من الحرب ليس مجرد تكامل بين السلاح والتكنولوجيا، بل إعادة تعريف للجيش نفسه — من تنظيم تقليدي إلى شبكة هجينة تجمع ضباطًا عسكريين مع مبرمجين، محلّلين، علماء بيانات، ومتخصصين مدنيين.

 

الذكاء الاصطناعي: مساعد وليس بديلاً

أحد الاعتقادات المنتشرة هو أن الذكاء الاصطناعي سيُحلّ محل القائد البشري، وأن الطائرات المسيرة، الروبوتات القاتلة، وأنظمة الحرب الذاتية ستسيطر على ساحات القتال — كما في أفلام الخيال العلمي. 


لكن كينغ يرفض هذا التصور المُفرط ويقدّم رؤية أكثر واقعية: AI في الحرب ليس أداة لصناعة القرار الاستراتيجي بنفسه، بل هو أداة دعم — لمعالجة كميات ضخمة من البيانات، تحليلها بسرعة، وتقديم رؤية استخبارية للقائد.

 

في صفحات الكتاب، يوضح أن الذكاء الاصطناعي بمستواه الحالي — غالبًا ما يُسمى "الجيل الثاني" للـ AI — جيد جدًا في التعرف على أنماط، تحليل صور، رصد البيانات، تنقية المعلومات، وتجميع الخرائط الاستخبارية


لكنه يعجز عن تقديم حكم سياسي أو قراءة سياقية عميقة لمواقف غامضة، أو التعامل مع عناصر بشرية غير متوقعة — مثل تحفيز المقاومة، الانفعالات المعنوية، أو تأثير العوامل الثقافية. 

بمعنى آخر: القائد يظل هو صاحب القرار، وAI هو مساعد خارق للبيانات — يسرّع الفهم والتحليل، لكنه لا يملك الحس + الحدس + العامل البشري الذي يصنع القرار.


كيف تُستخدم AI عمليًا في الحرب؟

• الاستخبارات وتحليل البيانات

الذكاء الاصطناعي يمكّن الجيوش من جمع وتحليل كمّ هائل من المعلومات (إنترنت، أقمار صناعية، وكاميرات، مراقبة إلكترونية، اتصالات، شبكات، ...). 

هذه المعلومات يتم تصفيتها، تحليلها، وربطها بسياقات. القائد يحصل على صورة أوضح وأسرع عن ساحة الحرب. 

• التخطيط والعمليات السيبرانية

في الحروب الحديثة، لم تعد الحرب تقليدية فقط، بل تشمل الهجمات الإلكترونية، الحرب المعلوماتية، التشويش، الحرب السيبرانية.

AI يساعد في تحليل شبكات الخصم، اكتشاف الثغرات، اقتراح استراتيجيات دفاع وهجوم، وربما إدارة عمليات إدخال/خروج الهجمات بشكل متزامن. 

• استهداف أسرع وأكثر دقة

باستخدام تحليل الصور الجوية، رصد عبر الأقمار أو الطائرات المسيرة، وربط بيانات الاستخبارات مع قواعد بيانات، يمكن تحديد الأهداف بدقة عالية وسرعة تفوق قدرة البشر على التصرف اليدوي. هذا لا يعني أن AI يطلق الصواريخ وحده، بل يزوّد القائد بالمعلومات اللازمة لاتخاذ قرار مستنير. 


التنظيم الجديد: من جيوش تقليدية إلى شبكات هجينة

لكي تستفيد الجيوش من AI بهذا العمق، لا يكفي اقتناء أدوات ذكية فقط. بل تحتاج إلى تحول تنظيمي جذري — وهذا ما يشير إليه كينغ ضمن مفهوم "المجمّع العسكري التقني".


  • إدخال تقنيين مدنيين داخل مراكز القيادة والعمليات. ليسوا جنودًا، بل مهندسون، علماء بيانات، محللون. يعملون جنبًا إلى جنب مع الضباط. 

  • تشكيل تحالف مؤسسي بين وزارات الدفاع، شركات تكنولوجيا، وكبار المبرمجين/باحثي البيانات — بحيث لا تعود الحرب فقط مسؤولية جيش ودولة، بل أيضًا قطاع تكنولوجي

  • تشابه مع “المجمّع العسكري الصناعي” — لكن هذه المرة الأسلحة ليست فقط مدفعية أو دبابات، بل خوارزميات، شبكات، منصات بيانات، تحليلات، وشبكات سيبرانية. 

بهذا كلّه، لا تتحول الحرب فقط إلى مواجهة عسكرية — بل إلى سباق تكنولوجي ـ استخباراتي ـ تنظيمي.


بين الفرص والمخاطر: لماذا هذا التحوّل مثير للقلق

الذكاء الاصطناعي في الحرب يحمل إمكانات كبيرة، لكنه أيضًا يثير تساؤلات كبيرة:


  • تركيز القوة: حين يتولى "المجمّع العسكري التقني" قيادة الحرب من خلال البيانات والتحليل، تُركّز قوة عظيمة بيد عدد صغير من الشركات أو المؤسسات التقنية — ما يهدد الشفافية، السيطرة الديمقراطية، والمساءلة.

  • أزمة الأخلاق والمسؤولية: أسلحة أو قرارات عسكرية مدعومة بـ AI يمكن أن تزيد من سرعة اتخاذ القرار، لكن الأهم: من يحاسب عندما تخطئ الخوارزمية؟ عندما ترتكب أخطاء استهداف أو تصعيد حرب؟

  • فقدان البصيرة الإنسانية: AI ممتاز في الأرقام والأنماط، لكنه عاجز عن القيم الأخلاقية، الحدس السياسي، التعاطف، أو إدراك تعقيدات ثقافية/اجتماعية. في حرب تُحسم بالتكنولوجيا فقط، قد يُنسى البعد الإنساني بالكامل.

  • سباق تسليحي جديد: كما في العصور الصناعية، نشهد الآن سباقًا نحو التفوق في الذكاء الاصطناعي العسكري — ما يعيد التوترات العالمية إلى مربع جديد من الحرب المعلوماتية والسيبرانية. 

المجمّع العسكري التقني


ماذا يعني هذا للعالم العربي — ولماذا علينا أن نهتم؟

قد تتساءل: ما علاقة هذا بـ منطقتنا؟ الواقع أن الذكاء الاصطناعي لم يعد حكرًا على دول كبرى فقط. التطورات في الشرق الأوسط، الحرب في أوكرانيا، الصراعات الإقليمية — كلها تبرز أهمية فهم هذا التحول.


  • الدول تبحث عن تفوق استخباراتي: في بيئات مكتظة إعلاميًا، حرب معلومات، صراعات سياسية، ستكون القدرة على تحليل البيانات والرصد السريع عنصر تفوق.

  • الحاجة إلى أطر تنظيمية وقانونية: من حقوق الإنسان إلى قواعد الحرب، من المساءلة إلى الحماية، يجب أن نصوغ سياسات وأطر تحكم استخدام AI العسكري، قبل أن تتجاوزنا الأحداث.

  • إدراك أن الحرب لم تعد فقط ساحة دبابات: بل أصبحت ساحة شبكات، بيانات، خوارزميات — ومن لا يواكب هذه المعادلة، قد يفقد القدرة على الدفاع أو المنافسة.


الخلاصة: المجمّع العسكري التقني ليس المستقبل فقط — بل الحاضر

كتاب AI, Automation, and War ليس عملاً تخيليًا أو تحذيرًا من مستقبل غامض فحسب. إنه محاولة جادة لفهم التحولات العميقة التي تحدث الآن في العالم، في ميداني الحرب، الاستخبارات، والصراع على القوة.


الذكاء الاصطناعي لن يزيل الإنسان من ساحة القرار.
لكنه سيعيد رسم منظومة الحرب بالكامل — من القيادة، إلى التخطيط، إلى التنفيذ.
يجمع في هيكله بين الجيوش، الوزارات، الشركات التقنية، المبرمجين، ومحركات البيانات — في كيان هجيني، قوي، ومنظم بفعالية ربما أكبر من أي مجمع عسكري صناعي سبق.


إذا أردت أن تُجاهِز نفسك (أنت قارئ هذا المقال) للعصر القادم:

  • راقب "المجمّع العسكري التقني" بعين ناقدة.
  • اطلب الشفافية، المساءلة، القوانين التي تحمي الحقوق.
  • واسأل: من سيبني السلام في عصر الذكاء – البشر أم الخوارزميات؟

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button