جاري تحميل ... مجتمع بوست

إعلان الرئيسية

أخبار عاجلة

شخصيات

ويل ديورانت.. صاحب "قصة الحضارة" الذي أنصف العرب والمسلمين

ويل ديورانت.. صاحب قصة الحضارة الذي أنصف العرب والمسلمين


ويل ديورانت.. صاحب "قصة الحضارة" الذي أنصف العرب والمسلمين


·       أصابته وعكة صحية أثناء وجوده في "دمشق" وظن أنه سيموت.. فجاءته فكرة كتابه الموسوعي "قصة الحضارة"
·       ديورانت عن كتابه الأشهر: لم أكن بحاجة إلى من يذكرني بأن هذا المشروع "ضرب من الخبل" وإمعان في الغرور
·       قال عن الإسلام: لقد رفع هذا الدين من مقام المرأة في بلاد العرب وقضى على عادة "وأد البنات" وساوى بين الرجل والمرأة
·       وقال عن النبي: إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس لقلنا إن محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ
·       تزوج امرأة كانت تصغره بـ13 عاما.. ومن فرط حبها له وتعلّقها به توفيت بعد موته بـ5 أشهر فقط
·       كان يعود إلى 5 آلاف كتاب من أجل أن يكتب جزءاً واحداً من "قصة الحضارة" بمساعدة زوجته وابنته


يُحكى أن المؤرخ الأمريكي الأشهر ويل ديورانت سُئل ذات مرة أن يصف نفسه وعمله، فقال بمنتهى التواضع، وهو الذي أمضى 50 عاما من عمره في تأليف كتابه "قصة الحضارة": لا أعتبر نفسي مفكراً أو فيسوفاً، وإنما أنا مجرد "عاشق لعشاق الحكمة"!
وكان ديورانت يتمتع بعقل نقدي وفلسفي مرهف، وثقافة واسعة عميقة، وكان رجلاً نزيهاً وموضوعياً، يتحرى الحقيقة، ويحرص عليها، وكان عالماً وأديباً وفيلسوفاً وفناناً في آن واحد.

وُلد ويليام جيمس ديورانت، الذي صارت شهرته فيما بعد "ويل ديورانت" بمدينة "نورث آدمز" في ولاية "ماساشوستس" الأمريكية عام 1885؛ وتلقى تعليمه في مدارس المدينة، ثم استكمل دراسته في مدارس بلدة "كيرني" التابعة لولاية "نيوجيرسي"، التي كانت تتبع الكنيسة الكاثوليكية، والتحق بعد ذلك بكلية القديس بطرس "اليسوعية" في مدينة "جيرسي" عاصمة الولاية، ثم بجامعة كولومبيا في نيويورك. (1)
وقرأ ديورانت أثناء دراسته مؤلفات وكتابات أدباء وعلماء غربيين كبار، منهم هيكسلي وداروين وهربرت سبنسر وهيغل وآخرين، واعتنق الأفكار الاشتراكية منذ تلك الحقبة وحتى نهاية حياته، فكان يهتم بحياة عمال المدن والعملات في المصانع، ويقدم لهم خدمات ثقافية وتعليمية.
واشتغل ديورانت بعد تخرجه عام 1907 بالصحافة في صحيفة "نيويورك"، ولكنه وجد أن هذا العمل شديد الوطأة على نفسه، فلم يتحمَّل رتابة العمل المكتبي، فقد كان يميل بطبعه إلى الانطلاق والمغامرة، فانطلق حُراً يلقي سلسلة من المحاضرات عن القادة والأبطال الذين تركوا تأثيرهم على حياة البشر، ثم نشر آنذاك كتابه الأول "قصة الفلسفة" فلقي رواجاً كبيراً ومكَّنته عوائده المالية من التحرر من رباط الوظيفة.
مغامرة عبر العالم
في كتابه "مرحلة التحول"، وهو بمثابة سيرة ذاتية لهذه المرحلة المبكرة من حياته، يحكي ديورانت إنه انتقل من تلك الحلقة الدراسية إلى الدوائر المتطرفة في نيويورك، واشتغل بالتدريس في "مدرسة فيرر"، فكانت تلك الفترة بمثابة "تجربة في التربية الحرة"، حسب تعبيره، حيث عانى في هذه الآونة من "قلق وجودي" فلم يكن يستقر في عمل أو مكان.
وفي عام 1912 طاف الرجل أرجاء أوروبا على نفقة صديقه الثري أولدن فريمان، الذي تعهد أن يوسع من آفاقه؛ وخلال هذه الرحلة زار عددا من المواقع التاريخية التي أراد أن يعاينها بنفسه، والتي جاء ذكرها في كتابه الضخم "قصة الحضارة" فيما بعد. (2)
وركز ديورانت اهتمامه في تلك الفترة من حياته على الدراسة الجامعية العليا، فنال درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة كولومبيا سنة 1917، وأخذ يدّرس الفلسفة في الجامعة عاماً واحداً؛ ومن ثم بدأ يلقي محاضرات في الفلسفة والأدب على رواد كنيسة بنيويورك، وكان معظم المستمعين إليه في هذه المحاضرات من العمال الذين كانوا يتطلب الحديث إليهم وضوحاً تاماً في شرح الأفكار والآراء التي كان يدلي بها، مع ربط ما يقال في تلك المحاضرات بالحوادث الجارية وقتها، كما كانوا يطلبون كل المواد التاريخية الجديرة بالدرس.
وفي إطار جهده الثقافي التنويري هذا، نظّم ديورانت متبرعا مدرسة لتعليم الكبار، أصبحت من أنجح التجارب التي أجريت في هذا المجال في العصر الحديث؛ ثم تركها لآخرين، وطاّف في رحلة طويلة عبر العالم سنة 1930 ليزور مصر والشرق الأدنى والهند والصين واليابان؛ ثم عاد فطوّف في العالم من جديد عام 1932 ليزور اليابان ومنشوريا وسيبيريا وروسيا؛ وأفادته هذه الرحلة التي وصفها بأنها كانت "مغامرة عبر العالم" في التعرف إلى عادات وتقاليد الشعوب المختلفة من الشرق إلى الغرب.
وتزوج ديورانت آنذاك من فتاة تدعى "إدا كوفمان" كانت تصغره بحوالي 13 سنة، لكنها كانت شديدة الحب له، وكانت تقول على الدوام إنها "مولعة به"، وأنجبت له زوجته المخلصة هذه ابنته الوحيدة "أثيل"، كما كان لهما ابن بالتبني اسمه "لويس".

مشروع العمر
في عام 1927، ترك ديورانت التدريس وتعليم الفلسفة نهائيا وتفرغ للكتابة والتأليف، ودخل في مشروع فريد من نوعه، استغرق 50 عاماً من عمره، وهو وضع كتاب "قصة الحضارة" الذي بات بمثابة مشروع العمر بالنسبة له.
ويعد هذا الكتاب، كعمل موسوعي ضخم، من أهم كتب ديورانت على الإطلاق، وهو الكتاب الأشهر عالمياً له، ويتألف من 11 مجلداً ضخماً. وراودته فكرة هذا الكتاب عندما كان شاباً يافعاً يقوم برحلة إلى الشرق عام 1912م، زار خلالها سوريا وأقام بمدينة دمشق. وأثناء تلك الزيارة مرض الرجل ولازم الفراش طويلا، وتذكر المؤرخ الإنجليزي هنري توماس الذي زار دمشق منذ نصف قرن، ومرض ثم مات دون أن يبدأ في كتابة تاريخ الحضارة. وهكذا فكر ديورانت خلال وجوده في دمشق ثم قرر أن ينجز ما عجز عنه سلفه المؤرخ المعروف. (3)

وأصدر ديورانت الجزء الأول من "قصة الحضارة" عام 1935، ونجح في تغيير نمط حياته المتقلب، واستقر في ضواحي مدينة "لوس أنجلوس" في ولاية كاليفورنيا، وتفرغ تماماً للقراءة والكتابة. وكان يعمل على مدار كل أيام الأسبوع مع زوجته المحبة، ويطالع في آلاف الكتب، ويقال إنه كان يعود إلى نحو 5 آلاف كتاب من أجل أن يكتب جزءاً واحداً من "قصة الحضارة" بمساعدة زوجته وابنته.

وكان هدفه من هذا العمل الموسوعي، كما يقول في مقدمته: "أن أكتب تاريخاً للمدنيّة، فقد أردت فيه أن أروي أكثر ما يمكن من أخبار التاريخ في أقل ما يمكن من الصفحات، بحيث أقصّ في روايتي ما أدته العبقرية وما أداه دأب العاملين في تراث الإنسانية الثقافي، وأن تكون قصتي مصحوبة بتأملاتي في العلل ووصف للخصائص، وما ترتب من نتائج لما أصابته الاختراعات من خطوات التقدم، ولأنواع النظم الاقتصادية، وللتجارب في ألوان الحكم، وما تعلقت به العقيدة الدينية من آمال، وما اعتور أخلاق الناس من تغيرات، وما في الآداب من روائع، وما أصابه العلم من رُقى، وما أنتجته الفلسفة من حكمة، وما أبدعه الفن من آيات".

وأضاف: "ولم أكن بحاجة إلى من يذكرني بأن هذا المشروع ضرب من الخبل، ولا إلى من يذكرني بأن مجرد تصور مثل هذا المشروع إمعان في غرور المرء بنفسه؛ فلقد تبينت في جلاء أنه ليس في مستطاع عقل واحد أو حياة واحدة أن تقوم بهذه المهمة على الوجه الأوفى، ورغم ذلك كله، فقد خيلّت لي الأحلام أنه على الرغم من الأخطاء الكثيرة التي ليس عنها محيص في هذا المشروع، فقد يكون نافعاً بعض النفع لأولئك الذين يرغمهم ميلهم الفلسفي على محاولتهم أن يروا الأشياء في كلُ واحد، وأن يتابعوا التفصيلات في موضعها من صورة مجسدة واحدة، فيروها متحدة ويوقفوا إلى فهمها خلال الزمان في تطورها التاريخي، وأن ينظروا إليها كذلك في المكان عن طريق العلم".

ماضي البشرية الحي
يشرح المؤرخ طريقته في كتابة التاريخ قائلا: "لقد أحسست منذ زمن طويل بأن طريقتنا المعتادة في كتابة التاريخ أقساماً منفصلاً بعضها عن بعض، يتناول كل قسم ناحية واحدة من نواحي الحياة.. أحسست أن هذه الطريقة فيها إجحاف بما في الحياة الإنسانية من وحدة، وأن التاريخ يجب أن يكتب عن كل هذه الجوانب مجتمعة، كما يكتب عن كل منها منفرداً، وأن يكتب على نحو تركيبي كما يكتب على نحو تحليلي، وأن علم تدوين التاريخ في صورته المثلى لابد أن يهدف في كل فترة من فترات الزمن إلى تصوير مجموعة عناصر ثقافة الأمة مشتبكة بما فيها من مؤسسات ومغامرات وأساليب عيش؛ لكن تراكم المعرفة قد شطر التاريخ - كما فعل بالعلم- إلى نواح اختصاص تعد بالمئات، وجفل العلماء الحكماء من محاولة تصور الكل في صورة واحدة، سواء في ذلك العالم المادي أو ماضي البشرية الحي". (4)

وهو يرى أن من الواجب في كتابة التاريخ: "الإحاطة بجميع النواحي الاقتصادية والسياسية والقانونية والحربية والأخلاقية والاجتماعية والدينية والتربوية والعلمية والطبية والفلسفية والأدبية والفنية، ولقد بذلنا جهدنا على الدوام في أن نكون بعيدين عن الهوى والتحيز".

وفي هذا الصدد، أنصف ديورانت العرب والمسلمين في كتابه قائلاً: "لقد رفع الإسلام من مقام المرأة في بلاد العرب، وقضى على عادة وأد البنات، وساوى بين الرجل والمرأة في الإجراءات القضائية والاستقلال المالي، وجعل من المرأة حق أن تشتغل بكل عمل حلال، وأن تحتفظ بمالها ومكاسبها، وأن ترث وتتصرف في مالها كما تشاء، وقضى على ما اعتاده العرب في الجاهلية من انتقال النساء من الآباء إلى الأبناء فيما ينتقل لهم من متاع، وجعل نصيب الأنثى في الميراث نصف نصيب الذكر، ومنَع زواجهن بغير إرادتهن".

وقال عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): "إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس، لقلنا إن محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ، فلقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله، وقلّ أن نجد إنسانًا غيره حقق ما كان يحلم به". (5)

كما كتب ديورانت مقالات كثيرة تاريخية عديدة في المجلات الأوروبية، وألف عدة كتب أولها "قصة الفلسفة" كما أسلفنا، ثم "قصة عقل واحد وحقبة واحدة"، و"قصور الفلسفة"، و"قضية الهند"، و"مباهج الفلسفة"، و"مغامرات في العبقرية"، و"في معنى الحياة"، و"مأساة روسيا"، و"دروس التاريخ"، و"تفسيرات الحياة"، وأصدر آخر كتاب له بعنوان "دروس من التاريخ"، وهذا الأخير جمع فيه خلاصة تجاربه العريضة في مجال الدراسات التاريخية.

واختير ديورانت عضواً بالمعهد القومي للفنون والآداب في واشنطن، وفاز بجائزة "بوليتزر" سنة 1968 وهي أكبر جائزة للأدب والصحافة في الولايات المتحدة عن الجزء العاشر من "قصة الحضارة" ومُنح "ميدالية الحرية" أرفع الأوسمة الأمريكية عام 1977.
وبعد رحلة حافلة بالعطاء الفكر والتقلبات والإنجازات، توفي مؤرخ الحضارة الإنسانية ويل ديورانت عام 1981، فشعرت زوجته وشريكة عمره بفراغ كبير، ولحقت به بعد رحيله بخمسة أشهر فقط.
*****
(1)               موقع "ويكيبيديا"
(2)               موقع "موضوع دوت كوم"
(3)               موقع "المشاهير"
(4)               موقع "المرسال"
(5)               ويل ديورانت كتاب "قصة الحضارة" ترجمة الدكتور عبد العزيز الأهواني، الجزء الخامس، طبعة "دار الفكر العربي" 1968.




الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *